
ليست الجامعة اللبنانية عقارًا شاغرًا في دفتر المحاصصة، ولا رئيسها موظفًا عابرًا يجوز أن تُحاكم عائلته بدل أن يُناقش أداؤه. ما يجري اليوم حول استحقاق رئاسة الجامعة يتجاوز السؤال المشروع عن التجديد أو التغيير إلى حملة تختلط فيها الحسابات السياسية بملف التفرغ، وتُستدعى فيها حياة بنات رئيس الجامعة إلى ساحة الاشتباك. وهنا يصبح واجبًا أن نفصل بين النقد المستند إلى وثيقة وحق اللجوء إلى القضاء، وبين التشهير الذي يعاقب عليه القانون لإصابة الأب في موقعه العام.
يقال إن رئيس الجامعة الحالي، الدكتور بسام بدران، جمع في يده صلاحيات مجلس الجامعة. هذه ليست واقعة ابتدأت معه، ولا بدعة استحدثها عند وصوله إلى الرئاسة. أصل المسألة يعود إلى القانون رقم 75/67 المتعلق بتنظيم الجامعة اللبنانية، ثم إلى المرسوم الاشتراعي رقم 122 الصادر في 30 حزيران 1977، فالمرسوم رقم 1167 الصادر في 15 نيسان 1978، الذي فوّض رئيس الجامعة البت في بعض المواضيع الخاضعة أصلًا لموافقة مجلس الوزراء، على أن تُبلّغ مقرراته إلى وزير التربية، وأن يخضع الخلاف عند حصوله للأصول القانونية المحددة.
عندما غاب مجلس الجامعة أو تعذر اكتمال تشكيله، لم تتوقف الجامعة عن التدريس ولم تُقفل أبوابها بانتظار التسوية السياسية. لجأت الدولة إلى نظام التفويض حفاظًا على استمرارية المرفق العام. هكذا عاش لبنان مرحلة طويلة من غياب المجلس بين 1977 و1995 تقريبًا، ثم مرحلة ثانية بين 2004 وأيلول 2014، قبل أن يُعاد تكوينه بموجب مرسوم تعيين العمداء رقم 469 تاريخ 4 أيلول 2014 وانتخاب ممثلي الأساتذة. ومنذ 2019 عاد الخلاف حول اكتمال المجلس وصفته القانونية، فيما أكدت هيئة التشريع والاستشارات في رأيها رقم 205/2019-2020 تاريخ 3 تشرين الأول 2019 أن المجلس لا يُعد قائمًا قانونًا إلا إذا اكتمل تشكيله وفق الأصول، مع مراعاة حالات الاستحالة القانونية أو المادية التي تمنع شلّ المرفق العام.
وخلال هذه المراحل لم يكن بسام بدران وحده في موقع ممارسة صلاحيات المجلس. سبقه بطرس ديب، وجورج طعمة، وميشال عاصي، وهاشم حيدر، وأسعد دياب، ثم إبراهيم قبيسي، وزهير شكر، وعدنان السيد حسين، وفؤاد أيوب. بل إن جورج طعمة، الذي ترأس الجامعة بين 1980 و1988، أمضى نحو ثماني سنوات ضمن أطول مرحلة تعطيل للمجلس. أما بدران، المعيّن رئيسًا اعتبارًا من 13 تشرين الأول 2021 بموجب المرسوم رقم 8415، فقد ورث واقعًا مؤسساتيًا قائمًا ولم يخترع فراغ المجلس. الاعتراض الصحيح إذًا يجب أن يتجه إلى استكمال تشكيل مجلس الجامعة وتفعيل مؤسساته، لا إلى تصوير الرئيس الحالي كأنه صادر مجلسًا كان قائمًا ثم أطاحه.
هذا لا يمنح أي رئيس حصانة من المساءلة. من حق الإعلام والأساتذة والطلاب أن يسألوا عن الموازنة، والتعيينات، والعقود، والتفرغ، ومعايير القبول والمنح. ومن حقهم طلب القرارات واللوائح والعلامات من الجهات المختصة ضمن حدود القانون وحماية البيانات الشخصية. لكن المساءلة شيء، وتحويل بنات مسؤول إلى أهداف سهلة شيء آخر تمامًا.
تتداول الحملة روايات عن بنات رئيس الجامعة: واحدة تقدمت لمباراة دخول، وأخرى اختارت اختصاصًا طبيًا، وثالثة حصلت، بحسب ما يُقال، على منحة مالية. حتى لحظة إعداد هذا المقال، لم نعثر على قرار قضائي أو تحقيق قضائي رسمي منشور يثبت أن شروط القبول أو الاختصاص أو المنحة عُدّلت لمصلحتهن لذلك لا يجوز تقديم هذه الروايات بوصفها حقائق محسومة. من يملك مستندًا فليضعه بيد القضاء، ومن لا يملكه فليتوقف عند حدود السؤال المشروع وليس الإتهام المحسوم.
إن دراسة بنات رئيس الجامعة في الجامعة اللبنانية ليست في ذاتها تهمة، بل يمكن قراءتها بوصفها ثقة بالمؤسسة التي يرأسها وبمستواها الأكاديمي. كان يستطيع، مثل كثيرين من أصحاب المواقع والقدرة، أن يرسل أبناءه إلى جامعة خاصة مرتفعة الأقساط والحصول على منحة من المكتب التربوي لحركة أمل الذي يقدم الآف المنح كل عام تصل إلى حدود ال ٧٥ بالمئة ولكن اختياره الجامعة الرسمية يضع بناته في القاعات نفسها مع أبناء الموظفين والعمال والمزارعين وأهل الجنوب والبقاع والشمال وبيروت، وتحت الشروط نفسها التي يجب أن تُطبّق على الجميع. فإذا وُجدت مخالفة فالمعيار هو الوثيقة، لا اسم العائلة. وإذا لم توجد، يصبح الزج بالبنات عقوبة إنسانية لا علاقة لها بالرقابة.
الأشد إيلامًا أن يتورط الإعلام في مطاردة طالبة شابة أو مراهقة، وأن تُختصر سنوات تعبها في كونها ابنة فلان. للمنصب العام كلفته، لكن الأبناء لم ينتخبوا آباءهم ولم يتولوا وظائفهم. نشر أسمائهم أو تفاصيل نتائجهم من دون ضرورة ومصلحة عامة واضحة قد يخلّف أذى نفسيًا واجتماعيًا لا تمحوه لاحقًا الأيام .
أما باطن المعركة، فيبدو سياسيًا في شقين. الشق الأول هو موقع رئاسة الجامعة في ميزان النظام الطائفي اللبناني. قانونًا، المنصب ليس ملكًا لطائفة، ولا يَرِد في الدستور أنه حصة شيعية. لكن السياسة اللبنانية أدخلته عمليًا في شبكة التوازنات والتسويات. وإذا كان الاتجاه هو نقل الموقع من الطائفة الشيعية، فلا يجوز أن يحصل ذلك خلسة أو تحت غطاء حملة شخصية؛ بل ضمن تسوية وطنية معلنة تحفظ التوازن، وقد تتصل بمواقع أخرى وازنة في الدولة مثل حاكمية مصرف لبنان ومن يريد المداورة أهلا” وسهلا”. أما القوى الشيعية التي إنتخبها الشيعة لتمثلهم أعلنت خيارها بالتجديد أو إعادة التعيين لبسام بدران، فقد قالت موقفها السياسي علنا” وإعتبرت التمديد واعادة ترشيح بدران “مش جريمة” ، وعلى رئيس الجمهورية والحكومة حسم الاستحقاق عبر الأصول ووضعه على طاولة مجلس الوزراء، بدل إبقاء الجامعة في الفراغ.
والشق الثاني هو ملف التفرغ، ذلك الملف الذي تحوّل منذ سنوات إلى سوق للتوازنات والحصص والأسماء. أقر مجلس الوزراء في 2026 دفعة واسعة بعد انتظار طويل، وبقي الجدل حول المعايير والأقدمية والتوازن والتمويل. هنا تتقدم قوى سياسية تريد استعادة حضور فقدته، فتبحث عن موطئ قدم في اللوائح، وعن أسماء تضيفها أو تبدلها، وعن موقع تفاوضي يعيدها إلى مشهد تجاوزها. وبعض هذه القوى ما زال يتأرجح بين ادعاء التغيير واستدعاء قاموس المقاومة الوطنية، من دون مراجعة جدية للأخطاء التي أفقدته جمهوره ودوره. لا حاجة إلى تسمية أحد؛ فالناس تعرف من يبدل الراية كلما تبدلت الريح.
ليس المطلوب منح بدران شيكًا على بياض. المطلوب إخراج الجامعة من لعبة الابتزاز: تُنشر معايير التفرغ، وتُعلن أسباب قبول كل فئة واستبعاد أخرى، ويُستكمل مجلس الجامعة، وتُفصل ملفات الطالبات عن معركة الرئاسة، ويُناقش التجديد على أساس برنامج واضح لإنقاذ الجامعة، لا على أساس التسريبات والقرابات.
وتبقى القضية الأخطر في الجنوب. في زمن الحرب والنزوح والدمار، يصبح وجود الجامعة اللبنانية في النبطية والجنوب فعل بقاء لا مجرد ترتيب إداري. الإعلان الرسمي الصادر في 21 أيلول 2026 أكد بدء التسجيل الحضوري لكلية العلوم، الفرع الخامس، في المبنى الجديد في تفاحتا. وهذه واقعة يجب البناء عليها وتوسيعها، لا التراجع عنها. وإذا تعذر استعمال مبنى ما لأسباب أمنية أو إنشائية، يمكن الانتقال مؤقتًا إلى حارة صيدا أو الغازية أو المصيلح أو جزين، بحسب السلامة والإمكانات. أما تفريغ الجنوب من فروعه ونقل الطلاب إلى بيروت من دون خطة معلنة وضمانات زمنية، فهو تحميل للطلاب وعائلاتهم كلفة حرب لم يصنعوها، وضرب لفكرة الإنماء المتوازن من أساسها.
المطلوب من رئيس الجمهورية أن يدفع باتجاه حسم الاستحقاق في الجلسة الحكومية المقبلة، لا لحماية شخص، بل لحماية الجامعة من الشغور والتجاذب. والمطلوب من الحكومة أن تعيد تكوين مجلس الجامعة، وأن تثبت فروع الجنوب في أرضها، وأن تجعل التفرغ ملفًا أكاديميًا لا دفتر توظيف حزبي. والمطلوب من الإعلام أن يعود إلى قاعدته الأولى: البينة قبل الإدانة، والمسؤولية قبل الإثارة.
الجامعة اللبنانية أكبر من رئيسها ومن خصومه ومن مؤيديه. هي المكان الذي يلتقي فيه أبناء الفقراء وأبناء المسؤولين على مقعد واحد، أو هكذا يجب أن تكون. ومن يريد الدفاع عنها يبدأ بالمطالبة بعدم ترك الجنوب بلا جامعة. فلتكن المعركة على برنامج إنقاذ الجامعة، لا على أسماء بنات رئيسها؛ ولتكن الدولة دولة مؤسسات، لا ساحة لتصفية الحسابات تحت لافتة الإصلاح.



