
ليس السؤال اليوم: مَن يرأس الجامعة اللبنانية؟
السؤال الأخطر والأكثر إلحاحًا هو: هل ستبقى هناك جامعة قادرة على استقبال أبناء الفقراء؟ وهل سيبقى في الجنوب طلابٌ ومدارس وأساتذة، أم أننا نسير بصمت نحو إفراغ الأرض من أهلها؟
في لبنان المنهك، لم يعد التعليم حقًا تكفله الدولة، بل أصبح امتيازًا يشتريه القادرون. أقساط الجامعات الخاصة تجاوزت قدرة معظم العائلات، والطبقة الوسطى التي كانت تحمي المجتمع من الانهيار سُحقت، ومدّخرات الناس تبخرت، ولم يبقَ للفقير سوى باب واحد: الجامعة اللبنانية.
لكن ماذا لو ضاق هذا الباب؟
وماذا لو تُركت الجامعة الوطنية وحدها في مواجهة عشرات آلاف الطلاب، من دون موازنة كافية، ولا تجهيزات، ولا أبنية، ولا مختبرات، ولا أساتذة، ولا خطة وطنية للاستيعاب؟
إن إلغاء الامتحانات الرسمية الأكاديمية والمهنية، مهما كانت أسبابه،أدى إلى تدفّق أعداد كبيرة من الطلاب نحو التعليم الجامعي. وهذا الواقع لا يمكن مواجهته بالارتجال، ولا بسياسة الانتظار، ولا بإبقاء شروط القبول والطاقة الاستيعابية كما كانتا في السنوات السابقة. فالدولة التي ألغت الامتحانات مطالبة بأن تتحمل نتائج قرارها، وأن تضمن لكل طالب مستحق فرصة عادلة لإكمال تعليمه لا يكفي أن نقول للطالب الفقير: الجامعة اللبنانية موجودة.
يجب أن تكون موجودة فعلًا: بمقاعدها، وأساتذتها، ومختبراتها، وفروعها، واختصاصاتها، وتمويلها وكرامتها.
لا تعيّنوا الفراغ رئيسًا للجامعة:
وسط هذه الأزمة الوجودية، ينشغل الإعلام والسياسيون بسؤال واحد: من سيترأس الجامعة اللبنانية؟ وكأن القضية مجرد اسم أو حصة أو موقع إداري، فيما الخطر الحقيقي هو أن يتحول التأخير إلى فراغ، وأن يتحول الفراغ إلى معركة صراع على قرار الجامعة، خصوصًا في ظل غياب مجلس جامعة فاعل وقادر على حماية استقلال المؤسسة.
عدد المرشحين محدود، والخيارات معروفة، والمواقف السياسية أصبحت واضحة. فلماذا كل هذا التأخير؟ ولماذا تُستنزف الجامعة في سجال كان يمكن حسمه ضمن المؤسسات وبروح المسؤولية الوطنية؟
بعد سلسلة التعيينات التي أجراها مجلس الوزراء في وزارة التربية لمواقع حساسة، والتي غلب على بعضها طابع التفاهمات السياسية، لم يقف أحد في وجه إعادة ترتيب البيت السياسي السني أو التقارب بين تيار المستقبل والرئيس نواف سلام أو أي قوى أخرى. فكل تقارب يعزز الاعتدال ويخدم الوحدة الوطنية هو أمر يجب احترامه، ما دام يجري تحت سقف الدستور والدولة.
لكن العدالة لا تكون بفتح أبواب التفاهم أمام فريق وإغلاقها أمام فريق آخر. والشراكة الوطنية لا تُبنى بالانتقائية. وإذا كانت الأعراف المعمول بها تمنح الطائفة الشيعية حق تسمية من يتولى رئاسة الجامعة اللبنانية، وقد أُبلغت الرئاستان الأولى والثالثة موقفها الحاسم المؤيد لاستمرار الرئيس الحالي، فلماذا لا يُحسم الملف؟
إننا نناشد رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء البت الفوري في رئاسة الجامعة، ولو من خارج جدول الأعمال. فالجامعة لا تحتمل انتظارًا إضافيًا، والفراغ فيها ليس تفصيلًا إداريًا؛ إنه باب للفوضى، ومشروع صراع على القرار الوطني، وقد يتحول إلى أزمة سياسية تهدد تماسك الحكومة نفسها.
غير أن التمديد، على أهميته في هذه المرحلة، ليس الحل كله. فالرئيس، أيًّا كان اسمه، لن يصنع المعجزات إذا تُركت الجامعة بلا أموال، وبلا خطة إنقاذ، وبلا قرار سياسي يعتبرها مؤسسة للأمن الاجتماعي والوطني، لا مجرد إدارة رسمية فقيرة.
لا تدفعوا الفقراء إلى اختصاصات البطالة
حين تضيق فرص القبول في الاختصاصات التي تفرض امتحانات دخول، يتجه آلاف الطلاب قسرًا إلى الكليات المفتوحة أمامهم. وهكذا تمتلئ كليات العلوم والحقوق وغيرها، لا لأن جميع الطلاب اختاروا هذه المسارات وفق ميولهم وقدراتهم، بل لأن الدولة لم تمنحهم خيارات أخرى.
وبعد أربع سنوات، ماذا تفعل الدولة بآلاف الخريجين من اختصاصات لا يملك سوق العمل قدرة على استيعابهم؟
كم أستاذًا يستطيع لبنان أن يوظف إذا كانت المدارس الرسمية تُقفل أو تُدمج، وإذا كان القطاع الخاص يتراجع تحت وطأة الانهيار؟ وكم محاميًا جديدًا يحتاج البلد فعلًا؟ وأين الخطة التي تربط التعليم الجامعي بحاجات المجتمع والاقتصاد؟
لا يجوز أن تصبح الجامعة مصنعًا للشهادات والبطالة والهجرة. ولا يجوز أن يُقال للطالب: اختر مستقبلك، فيما جميع الأبواب أمامه مغلقة إلا باب اختصاص واحد لا يضمن له عملًا ولا حياة كريمة.
المطلوب توسيع الطاقة الاستيعابية للاختصاصات المطلوبة، ودعم الفروع في المناطق، واستحداث برامج تطبيقية ومهنية حديثة، وربط القبول بحاجات سوق العمل من دون حرمان الفقراء من حقهم في الاختيار. المطلوب منح أبناء الجنوب والبقاع والشمال والأطراف فرصًا حقيقية في الطب والهندسة والتكنولوجيا والتمريض والزراعة والتعليم المهني، لا حصرهم في اختصاصات مزدحمة ثم تركهم على أرصفة البطالة.
الجنوب لا يخسر مدارس فقط… بل يخسر ناسه
أما في الجنوب، فالمأساة أكبر من أزمة تعليم.هناك قرى مهددة، وعائلات خسرت بيوتها ومدّخراتها وجنى عمرها، ومدارس رسمية تواجه الإقفال أو العجز، ومدارس خاصة لم تعد العائلات قادرة على دفع أقساطها. وفي هذا المشهد القاسي، يصبح التعليم الطبقي حقيقة لا شعارًا: مدارس واسعة وفخمة للأغنياء، وأبواب مغلقة في وجه الفقراء.
إذا اختفت المدرسة من القرية، فلن يخسر التلميذ مقعده فقط؛ ستخسر القرية معلمها وموظفيها وحركتها الاقتصادية وسببًا أساسيًا من أسباب بقائها.
والأستاذ المتعاقد في الجنوب، الذي لم يحصل بعد على كامل حقوقه ومستحقاته، يخوض معركة يومية لتأمين ساعات تدريس تكفل له الحد الأدنى من العيش. فإذا أصر على البقاء في قريته، قد لا يجد ساعات عمل. وإذا أراد إطعام أسرته، يصبح مضطرًا إلى النزوح بحثًا عن وظيفة ولقمة خبز.
أي سياسة هذه التي تعاقب من يصمد؟
وأي دولة تقول للجنوبي: ابقَ في أرضك، ثم تسحب من قريته المدرسة والعمل والجامعة والخدمات؟
وكيف نطالب الناس بالصمود، فيما نحطم بأيدينا كل مقومات الصمود؟
إن إقفال المدارس الرسمية في القرى الجنوبية ليس إجراءً تقنيًا تنظيميا”بل في نتائجه الواقعية، هو مساهمة في إفراغ القرى من سكانها. فالناس لا تعيش بالشعارات وحدها، ولا تبني مستقبل أبنائها بالخطب. إنها تحتاج إلى مدرسة قريبة، وأستاذ يتقاضى أجره، وجامعة تستقبل أبناءها، وفرصة عمل تحفظ كرامتهم.
مقعد جامعي لكل طالب فقير
هذه الأزمة أكبر من قدرة وزارة التربية وحدها، وأكبر من قدرة رئاسة الجامعة اللبنانية، وأكبر من أي طائفة أو حزب. إنها مسؤولية الحكومة مجتمعة: وزارة التربية، ووزارة المالية، ووزارة الشؤون الاجتماعية، ووزارة العمل، ووزارة الأشغال، ووزارة الاتصالات، وكل مؤسسة تستطيع أن تساهم في حماية التعليم الرسمي.
وهي أيضًا مسؤولية البلديات والمجتمع المدني والهيئات الاقتصادية والاغتراب اللبناني والمنظمات الدولية. فلبنان الذي يُطلب من أبنائه أن يبقوا على أرضهم، مطالب أولًا بأن يمنحهم أسباب البقاء عليها.
نريد خطة طوارئ وطنية تبدأ من مبدأ واضح لا يقبل المساومة:
نريد مقعد جامعي لكل طالب فقير يملك الكفاءة ويريد أن يتعلم.
نريد موازنة استثنائية للجامعة اللبنانية، ودعمًا مباشرًا لفروعها في الجنوب والمناطق، وتوسيعًا مدروسًا لقدرتها الاستيعابية، وتأمين مختبرات وتجهيزات ونقل وسكن جامعي ومنح للطلاب الأكثر حاجة.
نريد حماية المدارس الرسمية في القرى المهددة، ودفع مستحقات الأساتذة المتعاقدين، وضمان ساعات عمل عادلة لهم، لأن الأستاذ الذي نحرمُه من رزقه لن يستطيع أن يحمي المدرسة، والمدرسة التي نغلقها لن تستطيع أن تحمي القرية.
لا تقولوا إن الخزينة فارغة. فالخزينة الفارغة تستطيع أن تموّل الضروري عندما تعتبره أولوية. وما هو أكثر ضرورة من حماية جيل كامل من الجهل والبطالة والهجرة؟
ولا تقولوا إن الظروف استثنائية. فالظروف الاستثنائية تحتاج إلى قرارات استثنائية، لا إلى أعذار استثنائية.
ولا تقولوا إن الجامعة لا تستطيع الاستيعاب. ادعموها كي تستطيع. افتحوا فروعها، جهّزوا مختبراتها، عيّنوا أساتذتها، وطوّروا اختصاصاتها. فالجامعة الوطنية ليست عبئًا على الدولة؛ إنها آخر ما تبقى من الدولة في حياة الفقراء.
التعليم هو خط الدفاع الأول
يا أهل الحكم، إن الجنوب لا يطلب صدقة. إنه يطالب بحقه في الدولة.
والطالب الجنوبي الذي يستقبلكم بالورود والنشيد الوطني لا يريد خطابًا عن التضحية؛ يريد مقعدًا يدرس عليه. والأستاذ لا يريد كلمات عن الصمود؛ يريد راتبًا يكفيه وحقوقًا تحميه. والعائلات التي خسرت جنى عمرها لا تريد وعودًا؛ تريد مدرسة تحفظ مستقبل أولادها.
إن المعركة اليوم ليست على اسم رئيس الجامعة وحده، بل على هوية الجامعة ودورها ومصير أبنائها. احسموا رئاستها، امنعوا الفراغ من ابتلاع قرارها، ثم ضعوا أمام رئيسها خطة إنقاذ وطنية وإمكانات حقيقية لتنفيذها.
فالجنوب الذي دافع عن لبنان بدمه، من حقه أن يدافع لبنان عن مدارسه وجامعته وأبنائه. ومن يريد الجنوب عامرًا بأهله، عليه أن يبقي المدرسة مضاءة، والأستاذ في قريته، والطالب في جامعته، والأمل مفتوحًا أمام الفقراء.
احذروا أن يصبح التعليم حكرًا على الأغنياء، وأن يصبح الجهل قدر الفقراء، وأن تتحول الهجرة إلى المنحة الجامعية الوحيدة التي تقدمها الدولة لشبابها.
فإفقار الناس ظلم، وحرمانهم من التعليم جريمة، أما اغتيال التعليم في الجنوب فهو اغتيالٌ للصمود، وإفراغٌ للأرض، وطعنةٌ في قلب لبنان.
أنقذوا الجامعة اللبنانية قبل أن تصبح أخبارها نعيًا.
أنقذوا المدرسة الرسمية قبل أن يصبح جرسها صامتًا.
أنقذوا الأستاذ قبل أن يهاجر.
وأنقذوا الطالب قبل أن يفقد إيمانه بالعلم والوطن.
لأن الوطن الذي لا يجد فيه ابن الفقير مقعدًا في الجامعة، لن يجد غدًا دماء للدفاع عنه.



