
كمِيبر ضوءٍ في ليل الجنوب المظلم، هبّوا فقاموا، وكانوا أمواجَ علمٍ لا تهدأ. هدروا فاهتزّت الأرض لصدى طموحهم، وأطلقوا وابل أحلامهم في وجه الموت، فباغتوا كل مشاريع التهجير، وكتبوا في سطور التاريخ:
سجّل يا دولة الرئيس نبيه مصطفى بري… نحن هنا. هذا الجنوب لنا، وهذا التراب لنا، وهذا الهواء والنهر والبحر والجبل لنا. لن تنكسر لنا إرادة، ولن يصعب علينا هدف.
ستون فارسًا وفارسة عبروا بنا نحو الأمل، وارتفعت أسماؤهم على لوائح الناجحين في كليات الطب في الجامعة اللبنانية ، بمعدلات فاقت الثماني عشرة علامة من عشرين، ليثبتوا للعالم أجمع أن للجنوب أولياءَ علمٍ إذا حضروا، وليقولوا للتاريخ: زرعُ نبيه بري أثمر.
نعم يا دولة الرئيس، رَبِح البيع.
من خلف الظلام الدامس والموت الحالك، ومن أنين الثكالى وأثواب اليتامى، ومن صبر النازحين وثبات الصامدين، خرجوا ليصنعوا الإرادة، وليقولوا بعزم وثبات:
يا دولة الرئيس، لا تحزن على مدارسنا وبيوتنا وجامعاتنا التي هُدّمت؛ لأنك في كل ثانوية ومهنية وصرح علمي كنت تبنيه في قرى الجنوب، كنت تبني الإنسان، وقد أحسنت البنيان. نحن لها، ومنها وإليها نعود. هي القضية يا دولة الرئيس، ونحن لها.
ستون فارسًا وفارسة تحدّوا القهر في عقر داره، وهزموا الجهل وكيد المحتل. من تحت الركام، ومن وجع الحرمان وانعدام أبسط سبل الحياة، حملوا أقلامهم ومشوا نحو الطموح، وعاهدوا أنفسهم ألّا يعودوا إلا ورايات علمهم مرفوعة، فكان لهم ما أرادوا.
أن تكون نازحًا في غرفة مظلمة، وقد انقطعت عن مقعدك الدراسي أشهرًا؛ أن تعيش في خيمة قهر، أو تحت درج مدرّج رياضي، وأنت الآتي من بيت عزّ في الجنوب؛ ثم تخرج لتضع اسمك في أعلى مراتب الناجحين، فهذا يعني حتمًا أنك انتصرت على كل مشاريع الموت. يعني أنك من الجنوب، وأنك إلى الجنوب ستعود.
ستون فارسًا وفارسة من الجنوب أعادوا إلى بيوتنا الحياة، بعدما كنا نصول ونجول على حافة التشاؤم. قالوا لنا كلمة سواء: لا تخافوا، راهنوا علينا؛ فالمجتمع الجنوبي بخير.
للمرة الأولى يا دولة الرئيس، بكت أمهاتنا فرحًا. وللمرة الأولى أكتب إليك وحبر قلمي يتسابق مع دموعي فرحًا أيضًا.
هم باقون، هم ناجحون، وهم ثابتون خلف أقلامهم وكتبهم، ليصنعوا لنا جنوبًا ينبض بالحياة من جديد.
شكرًا يا دولة الرئيس. نحن بخير، والجنوب بخير؛ لأن أمةً تمتلك هذه الإرادة لا خوف عليها ولا هي تحزن.
شرّع لهم أبواب عين التينة، واستقبلهم واحتضنهم. قف بشموخك الأبي وهامتك المرفوعة، وهم خلفك يهتفون باسمك ويجدّدون البيعة لك. نريد للعالم كله أن يسمع صدى أقلامهم، وأن يرى صورتهم من حولك وهم يردّدون:
إنّا باقون ما بقي الزعتر والزيتون. إنّا باقون، وإنّا للجنوب وإنّا إليه راجعون.



