Uncategorized

امتحانات الدخول إلى كليات الطب: بين الخطأ والاتهام

تُعدّ مباريات الدخول إلى كليات الطب وطب الأسنان والصيدلة في الجامعة اللبنانية من أكثر الامتحانات حساسية، لأنها تحدد المستقبل العلمي والمهني لمئات الطلاب. لذلك، يستوجب أي خلل فيها التوضيح والمراجعة، بعيدًا عن التهويل المبني على الخُزعبلات والتخمينات الخرافية.

أوضحت الجامعة أن ما حصل في امتحان الكيمياء كان نقصًا في بعض البيانات أثناء ترجمة جزء من أسئلة الكيمياء التحليلية من الفرنسية إلى الإنجليزية، وليس خطأً في مضمونها العلمي. وقررت اللجنة احتساب العلامة الكاملة للأسئلة المتأثرة لجميع المتبارين دون استثناء.

هذا التوضيح لا يلغي مسؤولية الجامعة عن مراجعة آليات إعداد المسابقات وترجمتها، لكنه يضع الواقعة في إطارها الصحيح: خلل في جزء من الترجمة عولج بقرار موحد، وليس دليلًا بحد ذاته على وجود تلاعب منظم في النتائج.

هل كانت المعالجة عادلة؟

عند اكتشاف سؤال ناقص أو ملتبس، تكون اللجنة أمام خيارات محدودة: إعادة الامتحان، إلغاء الأسئلة، إعادة توزيع علاماتها، أو منحها للجميع. وقد اختارت الجامعة الحل الأخير حتى لا يتحمل الطلاب نتيجة خطأ لم يرتكبوه.

حسابيًا، إضافة العلامة نفسها إلى جميع المتقدمين لا تغير ترتيبهم التنافسي؛ فالطالب المتقدم على زميله بخمس علامات يبقى متقدمًا بالفارق نفسه. كما أن إعادة الامتحان لم تكن بالضرورة أكثر عدالة، لأنها كانت ستُجرى بعد انكشاف طبيعة المسابقة، وتفرض ظروفًا جديدة، وتربك الطلاب الذين أدوا جيدًا في بقية المواد.

لذلك، تبدو المعالجة قابلة للدفاع عنها أكاديميًا، شرط التأكد من تطبيقها بالتساوي، ومن عدم تأثيرها في شروط قبول خاصة ترتبط بحد أدنى معين للعلامات.

الشفافية تحمي الجامعة

الدفاع عن الجامعة واجب وطني لأنها جامعة الفقراء ولكن هذا لا يعني اعتبارها معصومة عن الخطأ، كما أن المطالبة بالشفافية لا تعني اتهامها دون أدلة مرئية . وكان من الأفضل نشر عدد الأسئلة المتأثرة، وعلاماتها، والنسخ التي ظهر فيها النقص، والطريقة التي تم من خلالها التأكد من عدم تغير النتائج.

كذلك، ينبغي توضيح كيفية التعامل مع أي تفاوت بين القاعات في توقيت إبلاغ الطلاب بالمشكلة. نشر هذه المعلومات لا يضعف الجامعة، بل يحمي قرارها ويغلق الباب أمام الشائعات.

لا تتحول الاحتمالات إلى اتهامات

من حق الإعلام أن يسأل إن كانت العلامات المضافة قد رفعت بعض المرشحين فوق حد أدنى مطلوب لفئة معينة من القبول. لكن الإجابة تكون من خلال مقارنة موثقة للنتائج قبل المعالجة وبعدها.أما الانتقال من احتمال حسابي إلى الإيحاء بأن الخلل وقع أو عولج لخدمة فئة محددة، من دون تقديم أسماء أو أرقام أو مستندات، فلا يثبت وجود تلاعب. وإذا وُجدت حالة موثقة، فمن الواجب نشرها والتحقيق فيها. أما في غياب الدليل، فيبقى الكلام ضمن دائرة الافتراض الوهمي.

الجامعة ليست ساحة لتصفية الحسابات

يصعب فصل الجامعة اللبنانية عن الواقع السياسي، خصوصًا مع النقاش حول إدارتها ورئاستها وتشكيل مجلسها. لكن الخطأ يكمن في تحويل كل واقعة أكاديمية إلى أداة في هذا الصراع.

من يعارض التمديد لرئيس الجامعة يستطيع عرض اعتراضاته القانونية المتعلقة بالحوكمة وتداول المسؤوليات، ومن يؤيده يستطيع الدفاع عن إنجازاته. أما مباراة الدخول فيجب أن تبقى خارج تصفية الحسابات، لأن تقييم رئيس الجامعة يُبنى على مجمل أدائه، لا على حادثة منفردة.

الجامعة اللبنانية ملك لجميع اللبنانيين، ومن واجب الإعلام حمايتها من الأخطاء والفساد، وكذلك من الاتهامات غير المثبتة. فالنقد الجدي يستند إلى الوثائق والأرقام، لا إلى العناوين الانفعالية أو الإيحاءات.

وما حصل يستوجب تشديد مراجعة الأسئلة والترجمة، وربما إنشاء لجنة تدقيق مستقلة قبل طباعة المسابقات، إضافة إلى نشر تقرير تقني يثبت أن المعالجة لم تغير ترتيب المقبولين أو تمنح فئة معينة امتيازًا استثنائيًا. لكن المعطيات المتاحة حتى الآن لا تكفي للقول إن ما جرى كان تلاعبًا مقصودًا.

وفي المقابل، يجب ألّا يتحول الإعلام إلى أداة بيد خصوم رئيس الجامعة، أو إلى منبر لطامح إلى منصب أكاديمي لم يحصل عليه، أو لموظف تقلّصت صلاحياته، أو لأي جهة تريد تصفية حساباتها مع الإدارة. فالنقد يفقد صدقيته عندما تحركه المصالح الشخصية والمنافسة على المناصب.

إنصاف الطلاب واجب، ومساءلة المسؤولين واجب، وحماية الحقيقة واجب أيضًا. فلا يكون الدفاع عن الجامعة بالتستر على أخطائها، ولا يكون إصلاحها بتشويهها أو استخدام طلابها وامتحاناتها وقودًا لصراعات النفوذ والمناصب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى