
أثار الاتفاق الإطاري المتداول بين لبنان والعدو برعاية دولية، نقاشاً سياسياً واسعاً، إلا أن البعد الدستوري لا يقل أهمية عن البعد السياسي، لأن البنود المنشورة تتناول قضايا تتصل بإنهاء حالة الحرب، والاعتراف المتبادل، والترتيبات الأمنية، وإعادة الإعمار، وآليات التنفيذ، وهي جميعها تدخل في صلب السيادة الوطنية واختصاص المؤسسات الدستورية.
وبمعزل عن المواقف السياسية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: إذا كانت البنود المتداولة تمثل بالفعل النص النهائي للاتفاق، فهل تتوافق مع الآليات التي ألزم بها الدستور اللبناني الدولة عند إبرام مثل هذه الاتفاقات؟
أولاً: المادة 52… المرجعية الدستورية للمعاهدات الدولية
تنص المادة 52 من الدستور اللبناني على أن رئيس الجمهورية يتولى التفاوض في عقد المعاهدات الدولية وإبرامها بالاتفاق مع رئيس الحكومة، ولا تصبح مبرمة إلا بعد موافقة مجلس الوزراء، كما أن المعاهدات التي يحددها الدستور لا يمكن إبرامها إلا بعد موافقة مجلس النواب.
وانطلاقاً من ذلك، فإن البنود المتعلقة بإنهاء حالة الحرب، والاعتراف المتبادل، والترتيبات الأمنية، والالتزامات الدولية، تثير تساؤلات حول مدى خضوعها للإجراءات المنصوص عليها في المادة 52 قبل أن تكتسب أي أثر قانوني ملزم.
ثانياً: الاعتراف المتبادل وإنهاء حالة الحرب
يتضمن الاتفاق اعترافاً متبادلاً بين لبنان وإسرائيل، وإنهاء حالة الحرب، واستكمال المفاوضات وصولاً إلى اتفاق سلام شامل.
ويثير هذا البند إشكالية دستورية، لأن الاتفاقات التي تنظم العلاقات الأساسية بين الدول تمس السيادة الوطنية، ما يقتضي إخضاعها للمسار الدستوري الذي رسمه الدستور، وعدم الاكتفاء بالإجراءات التنفيذية وحدها.
ثالثاً: الانسحاب الإسرائيلي وربطه بنزع السلاح
تنص البنود على انسحاب إسرائيل بعد نزع سلاح حزب الله، مع استمرار وجودها في “المنطقة الأمنية” خلال المرحلة الانتقالية.
وهنا تبرز مقدمة الدستور – الفقرة (أ)، التي تنص على:
“لبنان وطن سيد حر مستقل، وطن نهائي لجميع أبنائه، واحد أرضاً وشعباً ومؤسسات.”
ويثير هذا البند نقاشاً حول مدى انسجام أي ترتيبات تسمح باستمرار وجود قوات أجنبية داخل الأراضي اللبنانية مع مبدأ السيادة ووحدة الأراضي.
رابعاً: وقف الأعمال العدائية في المحافل الدولية
ينص الاتفاق على تعليق “جميع الأعمال القتالية أو العدائية في المحافل السياسية أو القانونية الدولية”.
ويستدعي هذا البند التوقف عند مقدمة الدستور – الفقرة (ب)، التي تنص على:
“لبنان عربي الهوية والانتماء، وهو عضو مؤسس وعامل في جامعة الدول العربية وملتزم مواثيقها، كما هو عضو مؤسس في منظمة الأمم المتحدة وملتزم مواثيقها والإعلان العالمي لحقوق الإنسان.”
ويُفهم من هذا النص أن لبنان يمارس حقوقه والتزاماته ضمن منظومة القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، الأمر الذي يثير تساؤلاً حول مدى تأثير أي التزام من هذا النوع على حق الدولة في اللجوء إلى الهيئات والمحافل الدولية للدفاع عن حقوقها، وهو ما يستوجب نقاشاً دستورياً وقانونياً دقيقاً.
خامساً: نزع السلاح والإشراف الدولي
ينص الاتفاق على استعادة الجيش اللبناني السيطرة على كامل الأراضي اللبنانية، ونزع سلاح حزب الله وسائر الجماعات المسلحة، وإنشاء مجموعة تنسيق بمشاركة الولايات المتحدة للإشراف على التنفيذ.
وفي هذا السياق، تنص مقدمة الدستور – الفقرة (د) على أن:
“الشعب مصدر السلطات وصاحب السيادة، يمارسها عبر المؤسسات الدستورية.”
كما تنص الفقرة (هـ) من مقدمة الدستور على أن:
“النظام قائم على مبدأ الفصل بين السلطات وتوازنها وتعاونها.”
وتثير هذه البنود تساؤلات حول مدى انسجام أي ترتيبات تنفيذية أو رقابية ذات آثار سيادية تتخذها اللجنة التي سيتم تشكيلها مع مبدأ ممارسة السيادة عبر المؤسسات الدستورية، ومع توزيع الاختصاصات الذي كرسه الدستور.
سادساً: إعادة الإعمار والالتزامات المالية
يربط الاتفاق إعادة الإعمار بحشد المساعدات الدولية والاستثمارات وبرامج التعافي الاقتصادي.
وإذا كانت هذه البنود تنشئ التزامات مالية أو قانونية طويلة الأمد على الدولة اللبنانية، فإنها تثير بدورها مسألة خضوعها للإجراءات الدستورية الخاصة بإبرام المعاهدات وترتيب الالتزامات على الدولة وعرضها على المجلس النيابي .
وعليه ، إذا كانت البنود المتداولة تمثل النص النهائي للاتفاق، فإن احترام الدستور يقتضي عرضه على المؤسسات الدستورية المختصة وفق الأصول، وتمكين مجلس النواب من ممارسة دوره في مناقشته والرقابة عليه قبل أن يرتب أي أثر قانوني على الدولة. فشرعية أي اتفاق دولي لا تُقاس بمضمونه السياسي وحده، بل تبدأ من احترام الدستور والإجراءات التي ألزم بها.



