أخبار محلية

حين يظل الجهل عاراً: محو الأمية “معركة وطنية”

في بلادٍ تغنّى أهلها بالحرف والكلمة، ويُفاخر أبناؤها بأنهم أوائل من نسجوا الحبر على الورق في هذا الشرق، يظل مشهد الأمية لطخةً سوداء على جبين الوطن.

لبنان، الذي احتضن أولى الجامعات والمطابع، يئنّ اليوم تحت وطأة أرقامٍ مخجلة تشير إلى أن نسبة غير المتعلمين لا تزال تشكل ندبةً في جسد هذا البلد الصغير بحجمه، الكبير بتناقضاته.

كيف لبلدٍ تفتخر مدنه وقراه بمدارسها العتيقة وجامعاتها العريقة، أن يقف عاجزاً أمام ظاهرةٍ كان يُفترض أن تُمحى منذ عقود؟

كيف للبنان الذي أنجب شعراء وفلاسفة وصحافيين، أن يسمح لأطفاله أن يتسكعوا في الأزقة والأسواق بدل المقاعد الدراسية؟

إنها ليست مسألة إحصاءات باردة أو تقارير رسمية صمّاء، بل مأساة إنسانية تُعيدنا إلى سؤالٍ أبدي: من المستفيد من بقاء الجهل في وطن الحرف؟

وفقًا لإحصاءات إدارة الإحصاء المركزي في لبنان للفترة 2018-2019، بلغ معدل الأمية 7.4% بين المقيمين الذين تزيد أعمارهم عن 10 سنوات. هذا يعني أن هناك حوالي 355,000 شخص في لبنان يعانون من الأمية.

تتعدد الأسباب التي أدت إلى استمرار ظاهرة الأمية في لبنان، من أبرزها:

الوضع الاقتصادي المتدهور، الذي يؤدي إلى انخفاض مستوى الدخل وارتفاع معدلات الفقر مما يزيد من التسرب المدرسي؛ والنزوح واللجوء، إذ يشهد لبنان تدفقًا كبيرًا للاجئين مما يضغط على البنية التحتية التعليمية ويعيق قدرة العديد من الأطفال على الالتحاق بالمدارس؛ والتفاوت الجغرافي، حيث تعاني المناطق النائية والريفية من نقص في المؤسسات التعليمية، مما يجعل الوصول إلى التعليم تحديًا لسكان هذه المناطق.

تعمل المراكز الموجودة في بعض المناطق، مثل البقاع والشمال والجنوب، بإمكانيات محدودة وتعتمد بشكل أساسي على دعم منظمات المجتمع المدني والمبادرات الفردية، وحتى هذه المراكز تعاني من نقص في الكوادر المؤهلة والمناهج الحديثة، لتبقى جهودها قاصرة عن تلبية الحاجة الفعلية.

بالإضافة إلى ذلك، تعاونت اليونيسف مع وزارة التربية والتعليم العالي ومنظمات غير حكومية لإنشاء برنامج أساسي لمحو الأمية وتعليم مهارات القراءة والحساب، بهدف دعم الشباب اللبناني وتزويدهم بالمهارات الأساسية.

إن الحديث عن محو الأمية في لبنان لا يمكن أن ينفصل عن الحديث عن الدولة العاجزة، فقد أصبح التعليم، الذي يُفترض أن يكون حقًا مكتسبًا لكل مواطن، صعب المنال فتعاني المدارس الرسمية من نقص في التمويل والمعلمين، بينما يمنع الفقر الأهالي من اللجوء إلى المدارس الخاصة ، وما يزيد الطين بلة هو ذلك الانقسام الطائفي والسياسي الذي يشل حركة أي مشروع وطني جامع. ليس محو الأمية مجرد مبادرة تعليمية، بل هو جزء من مشروع نهضة متكاملة تحتاج إلى قرار سياسي شجاع يعلو فوق المصالح الضيقة والاصطفافات العقيمة، مع ذلك، فإن الأمل لا يموت؛ هناك مبادرات فردية وجماعية من معلمين وناشطين ومنظمات تحاول بشق الأنفس ملء هذا الفراغ، ففي القرى النائية الفقيرة، تتفتح فصول دراسية متواضعة، ويُكتب الأمل على ألواحٍ خشبية قديمة، معلنين أساتذتها أن الحرب على الجهل لا تحتاج فقط إلى ميزانيات ضخمة، بل إلى إرادة حقيقية وإيمان بقيمة الإنسان.

محو الأمية في لبنان ليس ترفًا ولا خيارًا يمكن تأجيله؛ إنه ضرورة وطنية وأخلاقية، لأن الجهل لا يورث سوى المزيد من الانقسام والتخلف. لا نهضة بلا علم، ولا حرية بلا وعي، وكما قال الأديب اللبناني جبران خليل جبران:

الجهل هو العدو الأكبر للإنسانية.”

فلنخض هذه المعركة حتى نهايتها، لأن الهزيمة هنا ليست خيارًا. في النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل نحن مستعدون فعلاً لمواجهة هذا التحدي، أم سنبقى نتذرع بالظروف ونغرق أكثر؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى