
في جنوب لبنان، لم يعد التعليم حقًّا طبيعيًّا لأبناء الناس، بل تحوّل إلى معركة جديدة تُضاف إلى معاركهم اليومية من أجل البقاء. رسم تسجيل الطالب في المرحلة الثانوية يبلغ نحو 155 دولارًا أميركيًّا، يضاف إليه بدل نقل قد يصل إلى 50 دولارًا شهريًّا للطالب الواحد. قد تبدو هذه الأرقام بسيطة لمن يعيش بعيدًا عن وجع الجنوب، لكنها بالنسبة إلى عائلة فقدت عملها أو منزلها أو مصدر رزقها بسبب الحرب، قد تعني حرمان ابنها من المدرسة.
في قضاءَي النبطية وصور، كما في كثير من القرى الجنوبية، لا يعيش الناس حياة طبيعية. بقاؤهم في أرضهم أصبح شكلًا من أشكال الصمود، لكن الصمود ليس شعارًا يُرفع في مهرجان تكريم ولا صورة تُلتقط أمام منزل مدمّر. الصمود يحتاج إلى مدرسة تستقبل أبناء الناس، وحافلة تنقلهم، وبيت آمن ينامون فيه، ودخل يحفظ كرامتهم.
كيف يمكن لأبٍ أن يدفع 155 دولارًا للتسجيل، ثم 50 دولارًا شهريًّا للنقل، بينما يحاول تأمين الخبز والدواء والكهرباء وإصلاح ما دمّرته الحرب؟ وإذا كان لديه أكثر من طالب، فهل يختار مَن يتعلّم ومَن يبقى في المنزل؟
هذه ليست مسألة مالية فقط، بل قضية إنسانية وأخلاقية ووطنية. عندما يصبح التعليم فوق قدرة العائلة الجنوبية، فإننا لا نرهق الأهل فحسب، بل نهدّد مستقبل جيل كامل ولذلك نطالب بإعفاء طلاب الجنوب من دفع هذه الرسوم وكذلك بدعم الطالب الجنوبي لكي يستطيع دفع بدل نقل الوصول إلى مدرسته.
أما نواب الأمة ومسؤولو الأحزاب المنتشرون في هذه المناطق، والمتمسكون بمناصبهم وكراسيهم بملء إرادتهم ويضعون حزام الأمان أثناء الجلوس عليها وقد بلغنا معلومات أن بعضهم يسطحب كرسيه معه كيفما دار ولكن هذه المعلومات ما زالت قيد البحث لدى الأطباء النفسيين، فإننا نسألهم أين هم من هذه المعاناة؟
كثيرون منهم يجوبون مغارب الأرض ومشارقها وتقديم المغارب على المشارق مقصود لأن الدراهم والريالات هذه الفترة مقطوعة ،و يلتقون المغتربين ويجمعون التبرعات “الظاهرة والمستورة” باسم الجنوب وأهله، لكن المواطن لا يرى أثرًا واضحًا لهذه الأموال في حياته اليومية. لا تُلغى رسوم التسجيل، ولا يُؤمَّن النقل المجاني، ولا تُنشأ صناديق شفافة لمساعدة الطلاب والعائلات المتضررة.
ما يصل إلى الناس غالبًا هو جولات تفقدية ترافقها الكاميرات والمصورون ونحن هنا لا نشمل الجميع لأن بعضهم غير مهتم. يهبط المسؤول بين الناس كما لو أنه نجم قادم من هوليوود، بينما يتحول أعضاء فريقه إلى «باباراتزي» يلاحقون خطواته ونظراته ومصافحاته. تُلتقط الصور بعناية، تُنشر البيانات، ثم تنتهي الزيارة ويعود المسؤول إلى مكتبه وتتولى مديرة مكتبه “اللهيطة” التسويق الإعلامي ومعظم” اللايكات جحا والأربعين آدمي”، بينما يعود المواطن إلى بيته المتضرر، أو إلى مركز إيواء، أو ربما إلى الشارع باحثًا عن غطاء لأطفاله.
أصبحت هذه المشاهد موضع سخرية موجعة بين أهل الجنوب. يراقب الناس طريقة مشي بعض المسؤولين، وحركات أجسادهم، ونبرة أصواتهم، وذلك الشعور الغريب بالعظمة الذي يحيط بهم. يتحدثون بثقة مطلقة وكأنهم حققوا المعجزات، فيما يعجزون عن تأمين مقعد مدرسي أو بدل نقل لطالب.
من أين تأتي كل هذه الثقة؟ وأي إنجاز يمنحهم هذا الإحساس بالتفوق على الناس؟
المسؤول الحقيقي لا يحتاج إلى موكب من الكاميرات كي يثبت حضوره. حضوره يُقاس بعدد الطلاب الذين ساعدهم على العودة إلى مدارسهم، وبعدد العائلات التي وصلت إليها المساعدة بكرامة، وبالمنازل التي رُمّمت، وبالأموال التي وُزّعت بشفافية، وبالحقوق التي حُفظت من دون منّة أو استغلال سياسي.
وفي مقابل مشاهد الاستعراض، تتداول الأوساط الشعبية والإعلامية ملفات وشبهات فساد تجعل الناس أكثر غضبًا وفقدانًا للثقة: حديث عن شراء أراضٍ، وتبييض أموال، وتجارة بالممنوعات، وشراكات مع موظفين فاسدين، ووكالات قانونية تُطلب من أصحاب البيوت مقابل متابعة تعويضات الترميم أو تحصيلها. وهذه اتهامات خطيرة يجب أن تشكل دافع لدى زعيم الجنوب لإجراء حملة تغير واسعة تشمل كافة المواقع بإستثناء بعض الأوادم الذين قدموا أولادهم وبيوتهم وتحملوا ظلم العقوبات من أجل الجنوب .
أموال إعادة الإعمار والتبرعات ليست ملكًا لنائب أو حزب أو جمعية. إنها حق للمتضررين. وتعويض صاحب المنزل ليس هدية من زعيم، بل حق إنساني وقانوني. ومساعدة الطالب ليست مكرمة انتخابية تُمنح مقابل الولاء، بل واجب على الدولة وممثليها.
من غير المقبول أن تتحول مأساة الجنوب إلى موسم لجمع الأموال، أو فرصة لتوسيع النفوذ، أو وسيلة لإذلال الناس عند أبواب المسؤولين. ومن غير المقبول أن يُطلب من المواطن أن يصمد بلا منزل، ومن الأهل أن يضحّوا بلا دخل، ومن الطالب أن يتعلّم بلا رسوم ولا وسيلة نقل، بينما يكتفي أصحاب القرار بالخطب والصور والجولات البروتوكولية.
على النواب ومسؤولي الأحزاب كافة أن يكونوا صادقين في حديثهم عن حماية الجنوب ودعم صموده، فليبدأوا من الطالب. ليؤسسوا فورًا صندوقًا شفافًا لإعفاء طلاب القرى المتضررة من رسوم التسجيل، وتأمين النقل المدرسي المجاني، ودعم العائلات التي خسرت مصادر رزقها. وليعلنوا أمام الناس، بالأرقام والأسماء، حجم التبرعات التي جُمعت وأين صُرفت، ولتخضع هذه الأموال لرقابة مستقلة.
نحن لا نريد صورة نائب يقف أمام مدرسة؛ نريد طالبًا قادرًا على دخولها.
لا نريد خطابًا عن الصمود؛ نريد مقومات الصمود.
لا نريد مسؤولًا يمشي بين الركام وخلفه المصورون؛ نريد من يرفع الركام، ويرمّم البيوت، ويحفظ كرامة أصحابها.
ولا نريد عبارات التعاطف مع أهل الجنوب؛ نريد عدالة ومحاسبة وحقوقًا واضحة.
وهنا ليسمعني الجميع بوضوح :
الجنوب ليس خشبة مسرح ولا مسرحية ، وأهله ليسوا جمهورًا في حملة انتخابية، ودمار بيوتهم ليس خلفية مناسبة لصور المسؤولين. الجنوب أرض ناس حقيقيين يتألمون ويخافون ويحتاجون إلى التعليم والأمان والكرامة.
لقد صمد أهل الجنوب طويلًا، لكن الصمود لا يعني أن يُتركوا وحدهم، ولا أن يتحملوا إلى ما لا نهاية فساد الدولة وعجز ممثليها واستعراض بعض الفاشلين. ومن اختار المنصب والسلطة والامتيازات، عليه أن يتحمل المسؤولية كاملة.
فإما أن يكون ممثلًا حقيقيًّا للناس، وإما أن يترك الكرسي لمن يعرف أن خدمة الناس واجب، لا بطولة أمام الكاميرات.
ملاحظة: “عم تنشف وج على “هامان” يا سطلون”



