
ليست المدرسة في الجنوب اليوم مجرد جدران تنتظر الترميم، ولا صفوفاً تحتاج إلى مقاعد جديدة، بل هي ذاكرة مجتمع وهوية قرى وبلدات، وهي المساحة التي تحفظ حضور الدولة في المناطق التي دفعت الثمن الأكبر خلال الحرب.
ومن هنا، فإن خطة استمرارية التعلّم التي أطلقتها وزيرة التربية والتعليم العالي الدكتورة ريما كرامي للعام الدراسي 2026–2027 لا يجب أن تُقرأ كخطة إدارية عابرة، بل كخطوة وطنية تستحق الدعم والاحتضان من كل مكونات المجتمع التربوي والسياسي، لأنها تحاول الإجابة عن السؤال الأصعب: كيف نحافظ على حق الطفل في التعليم عندما يصبح مبنى المدرسة نفسه خارج الخدمة؟
لقد وضعت الوزارة أمامها واقعاً بالغ الصعوبة. فالأرقام الرسمية تكشف حجم التحدي: 352 مؤسسة تعليمية بين رسمية وخاصة تعرضت للأضرار، بينها 26 مدرسة دُمرت بالكامل، وأكثر من 125 ألف طالب وجدوا أنفسهم أمام واقع تربوي غير مستقر. وفي القطاع الرسمي وحده، طالت الأضرار 239 مدرسة، منها 20 مدرسة خرجت كلياً من الخدمة، فيما تركزت الأضرار الأكبر في أقضية بنت جبيل ومرجعيون وصور والنبطية.
أمام هذا الواقع، لا يمكن لوزارة التربية أن تواجه المعركة وحدها. فالخطة تحتاج إلى التفاف وطني، وإلى أن تتحول من مشروع وزارة إلى مشروع دولة.
ومن هنا، فإن المرجعيات السياسية والتربوية، وخصوصاً في الجنوب، مدعوة إلى أن تكون شريكاً حقيقياً في إنجاح هذه الخطة. فالجنوب كان الأكثر تضرراً، والمدارس الجنوبية كانت في قلب الاستهداف، ولذلك فإن مسؤولية حماية التعليم فيه هي مسؤولية جماعية.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية الدور المنتظر من المكتب التربوي المركزي في حركة أمل والتعبئة التربوية في حزب الله، ليس من موقع سياسي فقط، بل من موقع المسؤولية تجاه مجتمع تربوي واسع تضرر بشكل مباشر من الحرب. والمطلوب اليوم ليس الاكتفاء بإعلان الدعم، بل المبادرة إلى لقاء عاجل مع وزيرة التربية وفريقها، لوضع اليد على الملفات التي تحتاج إلى حلول عملية.
ولعل أهم ما في خطة الوزيرة كرامي هو التأكيد على أن اعتماد التجمعات المدرسية لا يعني دمج المدارس أو إلغاء هويتها، بل تنظيمها ضمن شبكة متكاملة مع الحفاظ على المدرسة الأم واستقلاليتها.
هذه النقطة تحديداً يجب أن تكون محور النقاش المقبل.
فالحفاظ على المدرسة الأم يعني الحفاظ على روح المدرسة، وليس فقط على اسمها. ويعني أن المدرسة التي أُغلقت قسراً بسبب الدمار ليست مدرسة انتهت، بل مؤسسة تنتظر العودة.
لكن كيف نحمي هذه المدارس؟
هنا تبدأ الأسئلة الإدارية والوظيفية التي لا يمكن تأجيل الإجابة عنها.
في عهد الوزير السابق عباس الحلبي، تم التعامل مع المدارس غير القادرة على العمل باعتبارها مدارس مقفلة إلى حين معالجة أسباب الإقفال. فهل سيستمر اعتماد هذا المبدأ؟ وما هي الآلية التي ستعتمدها الوزارة في ظل خطة استمرارية التعلّم؟
ثم ماذا عن العاملين في هذه المدارس؟
فالمدرسة ليست مديراً وأستاذاً فقط. هناك المديرون، والنظار، وأساتذة الملاك، والأساتذة المتعاقدون، وعمال المكننة، والمستخدمون، والأساتذة الذين يتقاضون مستحقاتهم من صناديق المدارس أو من البلديات.
صحيح أن الحفاظ على استمرارية عمل المديرين والنظار وأساتذة الملاك والمتعاقدين يمكن أن يتم عبر إلحاقهم بالمدارس المستقبلة أو تنظيم عملهم ضمن التجمعات المدرسية، لكن ماذا عن الفئات الأخرى؟
هل ستبقى حقوق الأساتذة الذين يعتمدون على صناديق المدارس محفوظة؟ ومن سيتحمل مسؤولية تأمين مستحقات الذين تمولهم البلديات؟ وما مصير عمال المكننة والمستخدمين الذين يشكلون جزءاً أساسياً من الحياة اليومية للمدرسة؟
كما أن مصير مديري المدارس المقفلة يحتاج إلى قرار واضح. فهل يتم تكليفهم بمهام في المناطق التربوية إلى حين إعادة فتح مدارسهم؟ وهل يمكن الاستفادة من أي فائض في الأساتذة المتعاقدين ضمن جهاز الإرشاد والتوجيه أو البرامج التعليمية والدعم النفسي والاجتماعي؟
هذه ليست مطالب فئوية، بل هي جزء من حماية المدرسة نفسها.
فالمدرسة ليست حجراً فقط. وإذا حافظنا على المبنى وخسرنا الإدارة والمعلمين والموظفين، نكون قد خسرنا جزءاً أساسياً من المؤسسة التربوية.
إن نجاح خطة استمرارية التعلّم لا يقاس فقط بعدد المدارس التي ستفتح أبوابها في أيلول، بل بقدرة الدولة على حماية المدرسة الأم، وحماية العاملين فيها، وضمان عودة التلامذة إلى بيئة تربوية مستقرة.
الجنوب اليوم لا يحتاج إلى سجال حول الخطة، بل إلى دعمها وتطويرها. ولا يحتاج إلى منافسة سياسية على من يسجل النقاط، بل إلى تعاون كل القوى التي تستطيع المساعدة.
فوزارة التربية وضعت الإطار، لكن إنجاحه يحتاج إلى شراكة حقيقية. والمطلوب من الجميع أن يمدوا يد العون للوزيرة وفريقها، لأن المعركة المقبلة ليست معركة وزارة، بل معركة حماية جيل كامل من خطر فقدان حقه في التعليم.
إن حماية المدرسة الرسمية في الجنوب هي حماية للبنان كله.



