أخبار محلية

هل أصبحت وزارة التربية مسؤولة عن كل آثار العدوان؟أم الحقيقة أنها تحل محل بعض الوزارات؟

في كل أزمة يمر بها لبنان، يبدو أن هناك من يبحث عن جهة واحدة يعلّق عليها كل الإخفاقات والعجز والتقصير، وقد وجد بعضهم ضالته اليوم في وزارة التربية. فبدلاً من مساءلة كل وزارة عن مسؤولياتها القانونية والإدارية، وبدلاً من السؤال عمّن أعدّ خطط الطوارئ والإيواء والاستجابة الإنسانية، يجري توجيه السهام نحو وزارة التربية وكأنها أصبحت مسؤولة عن كل تداعيات العدوان وآثاره ومخلّفاته فالوزيرة أصبحت بنظر البعض هي المسؤولة عن أمن الشرق الأوسط وموظفي وزارة التربية الذين تنهال عليهم الشتائم ليل نهار أصبحوا مسؤولين عن وضع خطط أمنية لرصد الطرق الآمنة والغير آمنة وبدل تحميل العدو مسؤولية قتل الطلاب في بيوتهم وليس فقط في الطرقات هناك من أراد تبرئة العدو وشن حملة تضليل اعلامية واتهم وزارة التربية ورئيس الجامعة اللبنانية .

فهل باتت وزيرة التربية مسؤولة بالكامل عن ملف النزوح؟ وهل أصبحت مسؤولة عن الإيواء والإغاثة والمساعدات الإنسانية وإدارة مراكز الاستقبال؟ وهل تحوّلت وزارة التربية إلى الجهة المكلفة معالجة كل نتائج الحرب فيما تكتفي بعض الإدارات الأخرى بإلقاء المسؤولية على غيرها؟

المفارقة أن الوزارة التي تتعرض للهجوم اليوم هي نفسها الوزارة التي تحملت منذ بداية الأزمة أعباءً استثنائية لم تُحمّل لأي وزارة أخرى. فهي الوزارة التي فتحت مدارسها للإيواء عندما استدعت الحاجة ذلك، وهي الوزارة التي عملت في الوقت نفسه على حماية حق مئات آلاف الطلاب في التعليم، وهي الوزارة التي تدير الإستعدادات والخطط لمحاولة إجراء الامتحانات الرسمية التي كلفها بها القانون ومجلس الوزراء وكذلك تواجه تحديات النزوح والدمار والخوف والضغوط النفسية والتربوية والمالية في آن واحد.

والمؤسف أن كل محاولة تقوم بها وزارة التربية لحماية القطاع التربوي أو للتخطيط لإعادة فتح المدارس أمام الطلاب تُقابل بحملات اتهام وتشكيك، وكأن المطلوب منها أن تتخلى عن وظيفتها الأساسية التي حددها لها الدستور والقانون وحدد صلاحياتها بدقة والأسوأ أن بعض الخطابات الإعلامية تجاوزت حدود النقد الموضوعي إلى تحميل الوزيرة وموظفي الوزارة مسؤولية ملفات لا تقع أصلاً ضمن صلاحياتهم القانونية وفي كل مرة ندخل في نقاش قانوني يتفوق مستشار الوزيرة القانوني على غيره والدليل ما صدر عن بعض الخبراء القانونيين بأن الوزيرة لا تملك وحدها صلاحية إلغاء الإمتحانات وأن إقرار قانون معجل مكرر بالإلغاء يعطي غطاء قانوني للإفادات كونه يمس بجوهر الإمتحان واليوم أيضا” وبحسب دراسة قانونية قمنا بها الوزيرة لا تملك صلاحية دمج وادارة مراكز الإيواء.

إن النقاش الجدي لا يبدأ بتوزيع الاتهامات، بل بتحديد المسؤوليات. فملف النزوح مسؤولية وطنية تتولاها الحكومة مجتمعة والوزارات المختصة كل ضمن صلاحياته، أما وزارة التربية فواجبها حماية التعليم وعدم السماح بانهيار العام الدراسي. ومن غير المقبول أن يُحمّل من يقوم بواجبه مسؤولية التقصير الذي قد يكون ناتجاً عن ضعف التخطيط أو غياب البدائل لدى جهات أخرى.

إن تناول ملف النزوح في لبنان يقتضي أولاً تحديد المسؤوليات القانونية والإدارية بدقة. فوزارة الشؤون الاجتماعية هي الجهة الحكومية المكلفة تنسيقياً بملف الاستجابة الإنسانية للنازحين والمتضررين، وهي المعنية بوضع خطط الإيواء والإغاثة بالتعاون مع رئاسة الحكومة والهيئة العليا للإغاثة والمحافظات والبلديات والمنظمات الدولية. أما وزارة التربية، فمهمتها الأساسية حماية الحق في التعليم وضمان استمرار المرفق التربوي وعدم انهيار العام الدراسي.

ومن هذا المنطلق، فإن مطالبة وزارة التربية بوضع معايير قبل تحويل مدارس إضافية إلى مراكز إيواء لا يمكن اعتبارها دليلاً على عدم التعاون أو على غياب الحس الإنساني، بل قد تكون دليلاً على إدارة مسؤولة تسعى إلى الموازنة بين حقين أساسيين: حق النازحين في المأوى الآمن وحق مئات آلاف التلامذة في التعليم.

فالتجارب السابقة أثبتت أن تحويل المدارس إلى مراكز إيواء لفترات طويلة يؤدي إلى تعطيل العملية التعليمية وتأخير انطلاق العام الدراسي. ولذلك فإن أي قرار بإشغال مدارس إضافية يجب أن يخضع لدراسة ومعايير واضحة وخطة زمنية محددة، وليس لقرارات ارتجالية تفرضها الضغوط الإعلامية أو السياسية.

أما القول إن وزارة التربية رفضت دمج بعض مراكز الإيواء، فهو يتجاهل حقيقة أساسية وهي أن إدارة مراكز الإيواء ليست من اختصاص وزارة التربية أصلاً، وأن عمليات نقل النازحين وإعادة توزيعهم ترتبط بقرارات إدارية وأمنية ومحلية تشارك فيها المحافظات والسلطات المختصة، ما يجعل طلب الأغطية القانونية والإدارية اللازمة أمراً طبيعياً وليس تعطيلاً.

كما أن تحميل وزيرة التربية مسؤولية عدم وجود خطة استجابة لموجات النزوح الجديدة يتناقض مع طبيعة الصلاحيات القانونية للوزارة. فإعداد خطة وطنية للنزوح وتأمين أماكن الإيواء البديلة وتنسيق المساعدات الإنسانية ليست مهام وزارة التربية، بل مسؤولية الحكومة مجتمعة والوزارات المختصة مباشرة بهذا الملف.

ومن حق الرأي العام أن يسأل: إذا كانت موجات النزوح الجديدة متوقعة منذ أسابيع، فلماذا لم تُحضَّر بدائل عن المدارس؟ ولماذا يُعاد طرح المدارس الرسمية دائماً كخيار أول وأخير؟ ولماذا يُطلب من وزارة التربية وحدها أن تتحمل نتائج كل أزمة وطنية؟ وإذا كانت هناك حاجة إلى مراكز إيواء إضافية، فأين القاعات والمنشآت العامة والمرافق الحكومية الأخرى التي كان يفترض تجهيزها ضمن خطة استباقية لإدارة الكوارث والنزوح؟ أم أن الواجهة البحرية أهم من الواجهة التربوية؟

إن حق النازحين في المأوى الآمن هو واجب وطني وأخلاقي مقدس لا يختلف عليه اثنان، وكذلك حق الطلاب في التعليم لا يقل أهمية ولا يجوز التعامل معه كأنه تفصيل ثانوي. والوزير المسؤول هو من يحاول التوفيق بين الحقين، لا من يضحي بأحدهما على حساب الآخر.

لذلك فإن مطالبة وزارة التربية بمعايير واضحة وخطة مدروسة وجدول زمني يضمن إعادة فتح المدارس أمام الطلاب مع بداية العام الدراسي لا ينبغي أن تُقدَّم كجريمة أو تقصير أو عدم تعاون، بل كجزء من مسؤوليتها الأساسية في حماية التعليم الرسمي ومستقبل التلامذة ومحاولة خلق توازن بين الملف التربوي وملف النزوح.

أما الحقيقة التي لا يريد البعض الاعتراف بها، فهي أن وزارة التربية كانت ولا تزال من أكثر الوزارات التي تحملت أعباء العدوان وتداعياته، وأنها وجدت نفسها مطالبة في الوقت نفسه بإدارة الامتحانات الرسمية، واستيعاب آثار النزوح، وحماية حق التعليم، وتأمين استمرارية المدارس و رواتب المعلمين، والمحافظة على المرفق التربوي. وبدلاً من أن تُشكر على هذه الجهود، تتعرض لحملات سياسية وإعلامية متواصلة، وكأن المطلوب تحميلها مسؤولية كل ما عجزت عنه مؤسسات أخرى.

إن العدالة تقتضي محاسبة كل جهة على مسؤولياتها الفعلية، لا على مسؤوليات الآخرين. أما تحويل وزارة التربية إلى شماعة تُعلّق عليها كل أزمات البلاد، فلن يحل أزمة نزوح، ولن يؤمن مركز إيواء واحداً إضافياً، ولن يساعد طالباً واحداً على متابعة تعليمه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى