
لم يكن مصطفى سبيتي شاعرًا يكتب القصيدة ثم يطوي أوراقها، بل كان قصيدةً تمشي على تراب الجنوب، ونبرةً لا تعرف الصمت، ورايةً من شتلات التبغ المرفوعة في وجه الباطل .
كان فارسا” مناضلًا يجوب القرى الجنوبية على صهوة الحق حاملًا حروفه ووطنيته، يزور البيوت والساحات، ويقيم الندوات الحوارية والأمسيات الشعرية، فيوقظ الوطنية في قلوب الجنوبيين، ويرسم المواجهة أبياتًا يطلق صداها في آفاق الجنوب. لم تكن كلماته ترفًا أدبيًا ولا قصائد عابرة، بل كانت موقفًا وهويةً ونداءً دائمًا للثبات؛ فإذا تحدّث، أنصت التراب، وإذا أنشد، ارتفعت رؤوس الرجال، وإذا كتب، تحوّل الحبر في يديه إلى قارورة سحرية تحمل تعويذة الخلود لكل قصيدة نسجها من عنفوان الليطاني .
كان مصطفى سبيتي خيلَ الجنوب وليلَه وبيداءَه، وسيفَه ورمحَه وقرطاسَه وكلمتَه في المحن. وكلّما اعتلى منبرًا، عزف الشعر بحارًا تمضي فيها سفينة الجنوب شامخةً، لا تخشى الريح ولا تنحني للعواصف.
خلف الزيتون وشجر التين والطيّون، وعلى ضفاف صور وتلال النبطية، سطّر روحه أوزان على أكتاف جبل صافي لا تعرف معنى الرضوخ. غرس قصائده بين الصخور والسنابل، وترك صوته في الحقول والوديان، حتى بدا كأن الأرض تحفظ شعره، وكأن أشجار الجنوب تردّد كلماته كلما مرّت بها نسمة آتية من جهة الوطن.
لم أره يومًا إلا باشقًا يمشي على أرض مقدسة، يتنقّل بين قرى النبطية وصور وصيدا وبنت جبيل، ثم يحلّق فجأة في سماء المواجهة حاملًا على جناحيه اسم لبنان، وعلى رأسه تاجٌ من أرجوان صور، أو إكليلٌ من دماء قانا. كان يرى في كل قرية حكاية، وفي كل شهيد قصيدة، وفي كل أمّ تنتظر عند الباب وطنًا كاملًا يستحق أن يُكتب له الشعر.
كان يدخل القرى فلا يبدو غريبًا؛ فالطرقات تعرف وقع خطواته، والبيوت تعرف صوته، والمنابر تحفظ وقفته. كان يحمل لبنان في قلبه، ويحمل قلبه إلى الناس، ويوزّع عليهم من كلماته ما يكفي لإشعال الرجاء في أشد الليالي ظلمة.
مصطفى سبيتي كان ليلًا عاصفًا في تاريخ الجنوب، لم يعرف الاستكانة، ولم يصالح الهزيمة، ولم يسمح للخوف أن يجد مكانًا بين حروفه. كان إذا اشتدت المحن أكثر حضورًا، وإذا خفتت الأصوات أكثر صلابةً، وكأن القصيدة بين يديه بندقية من نور، وكأن الحرف عنده عهدٌ لا يُنقض.
رحل جسدا”، سكت المنبر من بعده لحظةً، غير أن صداه سيبقى طويلًا في القرى التي أحبها، وفي وجوه الناس الذين منحهم من قلبه وكلماته وأحلامه. ستفتقده المنابر، وستبحث عنه الطرقات، وسيسأل عنه الليطاني والزيتون والتين والطيّون: أين ذلك العابر الذي كان إذا مرّ بنا جعل من المكان وطنًا وألقى مزاميره على من لا يفقهون؟
ربما لن نراه بعد اليوم على طريق البيدر، أو الحمّارة، أو كرم جبّارة؛ وربما لن تلتقطه عيوننا واقفًا بين الناس يشعل الحماسة في قلوبهم، لكننا حتمًا سنسمعه كلما أطلّ على الجنوب فجرٌ مثقل بالاحتلال، يوقظ الأمل فينا وينادي بصوته الذي لا يموت:
«ألا قوموا… إنّه الجنوب، وإنّا إليه راجعون».
سلامٌ عليك يا مصطفى، يوم حملت الجنوب قطرة في قلبك، ويوم جعلت من الكلمة سلاح، ومن الشعر هوية، ومن المنبر ساحةً للعزة والكرامة.
نم مطمئنًا يا شاعر الجنوب؛ لأننا سنحملك على صدورنا أيقونة حياة و ستظل قصائدك تسير في دروب القرى بدلًا منك، وسيبقى صوتك حاضرًا كلما تنفّس الليطاني، وأورق الزيتون، وارتفع على أرض الجنوب صوتٌ يرفض الذل والاحتلال.
رحم الله الشاعر المناضل مصطفى سبيتي، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أهله ومحبيه وأبناء الجنوب الصبر والسلوان.
غاب الجسد، وبقيت القصيدة… والجنوب لن ينسى



