Uncategorized

امتحان الكولوكيوم بين مشروعية القرار وحقوق الطلاب… هل ينجح الطعن أمام مجلس شورى الدولة؟

لم يعد الجدل الدائر حول اعتماد الامتحان السريري (OSCE) في امتحانات الكولوكيوم للطب العام مجرد خلاف بين وزارة التربية ومجموعة من الأطباء المتقدمين للامتحان، بل تحول إلى قضية قانونية وإدارية تطرح سؤالاً أساسياً: هل مارست الوزارة صلاحياتها ضمن حدود القانون، أم أنها أخطأت في طريقة تطبيقه؟

لفهم القضية، لا بد من الفصل بين مسألتين مختلفتين: الأولى هي مشروعية وجود الامتحان السريري بحد ذاته، والثانية هي مشروعية فرضه على الدورة الحالية بعد انتهاء الامتحانين الخطي والشفهي.

من الناحية القانونية، تبدو حجة الوزارة متماسكة في نقطة أساسية. فالمرسوم رقم 9276 المنظم لامتحانات الكولوكيوم ينص على أن امتحان الطب يتألف من امتحان خطي وشفهي وسريري. وبالتالي، فإن الوزارة تستطيع أن تجادل بأن الامتحان السريري ليس استحداثاً لمرحلة جديدة، بل هو جزء من النظام القانوني القائم منذ سنوات، وأن اعتماد أسلوب OSCE لا يعدو كونه وسيلة حديثة لتنفيذ الامتحان السريري المنصوص عليه.

هذه النقطة تمنح الوزارة سنداً قانونياً مهماً، وتضعف أي ادعاء بأنها أضافت امتحاناً غير موجود في القانون.

إلا أن قوة هذا السند لا تعني بالضرورة سلامة الإجراءات التي رافقت تطبيقه.

فالاجتهاد الإداري، في لبنان وفي العديد من الأنظمة القانونية المقارنة، يكرس مبدأ أساسياً هو أن شروط المباريات والامتحانات الرسمية يجب أن تكون معلنة بصورة واضحة قبل انطلاقها، وأن المتبارين يبنون أوضاعهم القانونية على هذه الشروط. ويعرف ذلك بمبدأ “التوقع المشروع”، الذي يحمي ثقة الأفراد بالإدارة ويمنعها من تعديل قواعد المنافسة بعد بدئها بصورة تضر بحقوقهم.

وفي هذه القضية تحديداً، تكمن نقطة الضعف الأساسية في موقف الوزارة.

فإذا كان برنامج الدورة الذي أعلنته الوزارة لم يتضمن الامتحان السريري، وإذا كان الطلاب خاضوا الامتحانين الخطي والشفهي على أساس أن الدورة انتهت عند هذا الحد، فإن الإعلان عن امتحان إضافي بعد انتهاء مراحل الامتحان يثير إشكالية قانونية جدية، حتى لو كان الامتحان السريري منصوصاً عليه في المرسوم.

فالخلاف هنا ليس حول مشروعية الامتحان السريري، وإنما حول توقيت تطبيقه وآلية الإعلان عنه.

ويزداد هذا الإشكال أهمية إذا ثبت أن عدداً من المرشحين غادروا لبنان أو التحقوا ببرامج اختصاص أو رتبوا أوضاعهم المهنية استناداً إلى انتهاء الامتحانات، الأمر الذي قد يعتبره مجلس شورى الدولة مساساً بمبدأ استقرار المراكز القانونية.

ومن جهة أخرى، تستطيع الوزارة الدفاع عن قرارها بالقول إن نتائج الامتحانات لم تكن قد أعلنت بعد، وإن الدورة لم تكن قد انتهت قانوناً، وإن الإدارة تملك صلاحية استكمال مراحل الامتحان طالما أن العملية الامتحانية لا تزال قائمة. إلا أن هذا الدفاع يبقى مرتبطاً بمدى وجود إعلان مسبق وواضح يبين للمرشحين أن الامتحان السريري سيجرى ضمن الدورة الحالية.

أما في ما يتعلق بحظوظ الطعن أمام مجلس شورى الدولة، فلا يمكن الجزم بنتيجته، إلا أن الطعن لا يبدو خالياً من الأسس القانونية.

فإذا اقتصر الطعن على الادعاء بأن الوزارة لا تملك حق إجراء امتحان سريري، فمن المرجح أن تكون حظوظه محدودة، لأن النص التنظيمي يمنحها أساساً قانونياً لذلك.

أما إذا انصب الطعن على مخالفة الإجراءات، وعدم إعلان شروط الدورة بصورة واضحة، والإخلال بمبدأ الشفافية والمساواة والتوقع المشروع، فإن فرص قبوله تصبح أكثر جدية، لأن مجلس شورى الدولة دأب في اجتهاداته على مراقبة مشروعية الإجراءات الإدارية، وليس فقط وجود النص القانوني.

ومن هنا، قد لا يكون السؤال الذي سيجيب عنه القضاء هو: “هل يجوز إجراء امتحان سريري؟”، بل سؤال آخر أكثر دقة: “هل يجوز فرضه على هذه الدورة بهذه الطريقة؟”

وفي المحصلة، يبدو أن الوزارة أصابت عندما استندت إلى وجود الامتحان السريري في النظام القانوني، لكنها قد تكون أخطأت إذا لم تعلن بصورة واضحة منذ بداية الدورة أن هذا الامتحان سيطبق على المرشحين الحاليين، أو إذا عدلت عملياً شروط الامتحان بعد انطلاقه.

ولهذا السبب، فإن أي حكم يصدر عن مجلس شورى الدولة لن يكون استفتاءً على أهمية امتحان OSCE أو قيمته العلمية، بل سيكون حكماً على مدى احترام الإدارة لمبادئ المشروعية والشفافية وحماية الحقوق الإجرائية للمرشحين، وهي المبادئ التي تشكل جوهر القانون الإداري اللبناني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى