Uncategorized

مناشدة وطنية إلى رئيس الجمهورية والحكومة والسيدة الأولى “لا تتركوا طلاب الجنوب”:

في كل صباح، وبعد إنقضاء الليل الجنوبي المتقطع والطويل ،يحمل الطالب الجنوبي حقيبته وأحلامه ويخرج من منزل أنهكته الحرب، أو من بيت بديل لجأت إليه عائلته بعد النزوح والدمار، يسلك دربا” طويلاً من الرعب نحو مدرسته، حاملا” في ذاكرته أصوات الغارات، وصور البيوت المهدمة، يتأمل من خلف الدموع محطات غدرٍ وألم ،هنا سقط رفيقه صريعا” متخبطا” في أحضان والدته وهناك صورة أخيه ترتفع على حائطٍ متصدع وخلف تلك التلال وجوهٍ وحكايات عن عدوٍ لا يرحم ،وفوق رأسه تهدر تلك المسيرة الجاثمة على أحلامه ،وعلى بوابة مدرسته الحزينة يودع عيون والدته على أمل اللقاء عند الإنصراف ولا يدري ما يحمله هذا النهار من مصائب ولكن ما يعرفه أنه يعارك القدر على أمل البقاء لا يطلب امتيازاً، ولا يبحث عن رغد الحياة بل يريد حقاً بسيطاً من حقوقه: أن يتعلم.

لكن هذا الحق أصبح اليوم مهدداً بسبب رسوم تسجيل لا تستطيع عائلات كثيرة دفعها، وبدلات نقل شهرية تفوق قدرتها. فالأب الذي فقد عمله أو أرضه أو مصدر رزقه، والعائلة التي تحاول تأمين الطعام والدواء والتدفئة، لا يمكن مطالبتهما بتحمّل أعباء إضافية لإرسال أبنائها إلى المدرسة.

في قرى الجنوب الحدودية، لا تنفصل المدرسة عن معركة البقاء. فاستمرار الطالب في تعليمه هو شكل من أشكال التمسك بالأرض، وبقاء المدرسة مفتوحة هو إعلان بأن القرية ما زالت حيّة، وأن أهلها لن يتخلوا عن مستقبل أبنائهم مهما اشتدت الظروف.

من هنا، نتوجه بهذه المناشدة الوطنية إلى فخامة رئيس الجمهورية، وإلى دولة رئيس مجلس الوزراء والحكومة اللبنانية، وإلى السيدة الأولى، للتدخل العاجل واتخاذ قرار رسمي وشامل يقضي بإعفاء طلاب الجنوب من رسوم التسجيل في المدارس والثانويات الرسمية، وتخصيص دعم مباشر لتغطية بدلات نقلهم من قراهم ومناطق نزوحهم إلى مدارسهم.

التعليم حق وليس مساعدة موسمية:

لا يجوز أن يبقى مصير العام الدراسي للطالب الجنوبي مرتبطاً بحملة تبرعات أو مبادرة فردية أو وساطة سياسية. التعليم مسؤولية الدولة، ودعم الطالب المتضرر واجب وطني لا يحتمل التأجيل أو التجزئة.

المطلوب ليس إعفاءً محدوداً يشمل فئة صغيرة أو قرى معينة، بل قرار واضح وعادل يستند إلى معايير شفافة ويشمل الطلاب الذين تضررت عائلاتهم بفعل الحرب والنزوح وفقدان المنازل والأرزاق.

ويجب ألا يقتصر الدعم على رسوم التسجيل وحدها. فما فائدة إعفاء الطالب من الرسوم إذا كان لا يملك بدل النقل الذي يسمح له بالوصول إلى المدرسة؟ إن تسجيل اسم الطالب على اللوائح لا يعني أنه حصل على حقه في التعليم إذا بقي عاجزاً عن التحصيل العلمي .

بدل النقل ليس تفصيلاً ثانوياً. ففي بعض العائلات أكثر من طالب، وقد تضطر الأسرة إلى دفع مبالغ شهرية كبيرة لنقل أبنائها، بينما تعاني أصلاً لتأمين الغذاء والدواء والإيجار والتدفئة. وهكذا يصبح الطريق إلى المدرسة عبئاً مالياً قد يدفع بعض الأهل، رغماً عنهم، إلى إبقاء أبنائهم في المنازل.

إن حماية العام الدراسي تتطلب حزمة متكاملة تشمل:

  • إعفاء الطلاب المتضررين من رسوم التسجيل في المدارس والثانويات الرسمية.
  • تغطية بدلات النقل من القرى الحدودية ومناطق النزوح إلى المدارس.
  • تأمين الكتب والقرطاسية والاحتياجات التعليمية الأساسية.
  • تقديم دعم إضافي للعائلات التي تضم أكثر من طالب.
  • توفير مساندة نفسية وتربوية للأطفال الذين عاشوا الحرب والنزوح وفقدان المنازل.
  • اعتماد آلية واضحة تضمن وصول المساعدة إلى مستحقيها بعيداً عن المحسوبيات والوساطات.

مناشدة إلى السيدة الأولى

نتوجه بصورة خاصة إلى السيدة الأولى، انطلاقاً من دورها الوطني والإنساني، لكي تتبنى قضية طلاب الجنوب وتضعها في مقدمة الملفات الاجتماعية والتربوية العاجلة.

إن صوت السيدة الأولى قادر على تحويل معاناة هؤلاء الطلاب من أرقام صامتة إلى قضية وطنية حاضرة أمام مؤسسات الدولة والرأي العام والجهات الدولية. وتبنّيها هذه القضية يمكن أن يشكل مظلة جامعة بعيداً عن الانقسامات السياسية والحسابات المناطقية.

أطفال الجنوب لا يحتاجون إلى الشفقة، بل إلى من يحمي حقهم ويصون كرامتهم. يحتاجون إلى مبادرة وطنية تخاطبهم بوضوح: أنتم لستم وحدكم، ومدارسكم لن تُترك، ومستقبلكم لن يكون من ضحايا الحرب.

الدول المانحة أمام مسؤولية أخلاقية

على مدى سنوات، قدّمت الدول والهيئات الدولية المانحة دعماً مالياً واسعاً لتعليم الطلاب اللاجئين في لبنان، وأسهمت في تمويل تسجيلهم ومدارسهم وبرامجهم التربوية. وقد تحمّل لبنان، رغم أزماته الاقتصادية ومحدودية إمكاناته، أعباء تعليمية واجتماعية كبيرة مرتبطة بملف اللجوء.

واليوم، عندما أصبح الطالب اللبناني في الجنوب مهدداً بخسارة عامه الدراسي، فإن من واجب هذه الدول والجهات المانحة ألا تدير ظهرها له.

ليس مقبولاً أن تتوافر الأموال عندما يكون عنوان المشروع «دعم تعليم اللاجئين»، ثم تختفي عندما يصبح الطالب الجنوبي، المتضرر من الحرب، بحاجة إلى التسجيل والنقل والكتب. فالحق في التعليم لا يتغير باختلاف جنسية الطالب، والمعايير الإنسانية لا يجوز أن تكون انتقائية.

نحن لا ندعو إلى وقف دعم أي طفل أو حرمان أي طالب من التعليم، بل نطالب بالعدالة والتوازن. فالطالب اللبناني الذي استقبلت بلاده الآخرين وتقاسمت مدارسها ومواردها المحدودة معهم، يستحق اليوم أن تقف الدول المانحة إلى جانبه عندما تهدد الحرب تعليمه ومستقبله.

لذلك، ندعو الحكومة اللبنانية إلى إعداد ملف تربوي طارئ ومتكامل، والتوجه به إلى الدول المانحة والمنظمات الدولية، من أجل إنشاء برنامج خاص لدعم تعليم طلاب الجنوب، يتضمن رسوم التسجيل والنقل والكتب واللوازم والمساندة النفسية.

كما ندعو الجهات المانحة إلى التعامل مع هذه القضية بوصفها أولوية إنسانية عاجلة، لا مشروعاً مؤجلاً يحتاج إلى شهور من الاجتماعات والدراسات. فالعام الدراسي لا ينتظر، والطالب الذي يغيب اليوم قد لا يستطيع العودة غداً.

المدرسة خط الدفاع عن مستقبل الجنوب

إن دعم الطالب الجنوبي ليس مسألة تربوية منفصلة عن القضية الوطنية. المدرسة هي التي تحمي الطفل من التسرب والضياع، وتحفظ ارتباط العائلة بقريتها، وتمنح المجتمع القدرة على النهوض بعد الحرب.

حين تبقى المدرسة مفتوحة، يبقى الأمل مفتوحاً. وحين يتمكن الطالب من الوصول إلى صفه، يشعر أهله بأن الدولة لم تتخل عنهم. أما حين يُترك الطفل خارج المدرسة بسبب رسم تسجيل أو بدل نقل، فإن الرسالة التي تصل إلى عائلته قاسية: أنتم متروكون وحدكم.

يا فخامة رئيس الجمهورية، يا دولة رئيس الحكومة، يا أعضاء الحكومة، ويا سيدة لبنان الأولى: طلاب الجنوب أمانة وطنية في أعناقكم. هؤلاء الأطفال دفعوا من أمنهم واستقرارهم وبيوتهم أكثر مما ينبغي لطفل أن يدفع. فلا تجعلوهم يدفعون أيضاً ثمن تعليمهم ومستقبلهم.

أصدروا قرار الإعفاء قبل أن تتحول الرسوم إلى جدار يفصل الطالب عن مدرسته. أمّنوا بدل النقل قبل أن تصبح المسافة بين القرية والصف سبباً في التسرب. وخاطبوا الدول المانحة باسم لبنان، مطالبين إياها بالوقوف إلى جانب الطالب الجنوبي كما وقفت طوال سنوات إلى جانب الطلاب اللاجئين.

لا نريد وعوداً جديدة، ولا لجاناً تؤجل الحل، ولا خطابات تنتهي بانتهاء المناسبة. نريد قراراً واضحاً، وتمويلاً فعلياً، وآلية تنفيذ عاجلة تحفظ كرامة الطلاب وعائلاتهم.

فالطالب الجنوبي لا يطلب المستحيل. إنه يطلب مقعداً في مدرسته، وطريقاً آمناً يصل به إليها، ووطناً لا ينساه عندما يحتاج إليه.

أنقذوا عامه الدراسي اليوم، لكي يستطيع هو أن يسهم غداً في إنقاذ وطنه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى