
هناك فرق بين الاتفاق الإطاري والاتفاق الملزم:
تثير الاتفاقات التي تُبرمها الدولة اللبنانية في القضايا السيادية والحساسة، ولا سيما تلك ذات الطابع الإقليمي أو الأمني، إشكاليات قانونية ودستورية دقيقة تتعلق بطبيعتها ومدى إلزاميتها داخل النظام الدستوري اللبناني.
فبينما حاول أذكياء السياسة وخاصة بعض المستشارين الترويج لبنود الإتفاق على أنها مجرد أطر تفاوضية تمهيدية تهدف إلى تنظيم الحوار وفتح مسارات سياسية، إلا أنها في مضمونها تتضمن التزامات طويلة الأمد أو آثارًا قانونية تمتد لسنوات وهذه الخطوة أو الفبركة بالتسمية قد تنطلي على مبتدئين في السياسة ولكن ليس على “أيوب”.
ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: هل نحن أمام اتفاق إطار غير ملزم لا يترتب عليه أثر قانوني داخلي مباشر، أم أمام اتفاق نهائي ملزم يُنشئ حقوقًا وواجبات للدولة اللبنانية ويستوجب بالتالي المرور الإلزامي عبر المؤسسات الدستورية، وفي مقدمتها المجلس النيابي؟
إن هذا التمييز ليس شكليًا، بل يحدد طبيعة الرقابة الدستورية الواجبة، خاصة عندما يتضمن الاتفاق التزامات مستمرة أو يمسّ السيادة الوطنية أو يرتب أعباء سياسية أو مالية طويلة الأمد، حيث يصبح خاضعًا لمبدأ أساسي في النظام الدستوري اللبناني، وهو ضرورة موافقة السلطة التشريعية على المعاهدات الملزمة وقبل أن نعلن عن مطلبنا وماذا نريد سنقوم بوضع بعض النقاط القانونية على حروفها :
أولاً: الإطار الدستوري لصلاحيات إبرام الاتفاقات الدولية
يحدد الدستور اللبناني، ولا سيما المادة 52، الإطار العام لصلاحيات إبرام المعاهدات الدولية، حيث يتولى رئيس الجمهورية التفاوض في هذه المعاهدات بالاتفاق مع رئيس الحكومة، على أن تُعرض لاحقًا على مجلس الوزراء.إلا أن هذا المسار لا يكتمل قانونيًا في جميع الحالات، إذ يكرّس الدستور مبدأً أساسيًا مفاده أن المعاهدات التي ترتب التزامات دائمة، أو تمس السيادة، أو تُحدث آثارًا قانونية ومالية طويلة الأمد، لا تصبح نافذة إلا بعد موافقة المجلس النيابي.وبذلك، فإن المجلس النيابي لا يُعد مجرد سلطة تشريعية، بل هو حارس دستوري للالتزامات الدولية للدولة وضامن لعدم تجاوز السلطة التنفيذية حدودها.
ثانياً: التمييز بين الاتفاق الإطاري والاتفاق النهائي
من منظور القانون الدستوري، يُميز بين نوعين من الاتفاقات:
الاتفاق الإطاري: وهو اتفاق تمهيدي يضع المبادئ العامة ويطلق مسار تفاوضي دون أن يُنشئ التزامات قانونية نهائية وملزمة.
الاتفاق النهائي الملزم: وهو اتفاق مكتمل العناصر يرتب حقوقًا وواجبات محددة على الدولة، ويُحدث أثرًا قانونيًا مباشرًا في النظام الداخلي.
وعليه، فإن العبرة ليست في التسمية الشكلية للاتفاق، بل في مضمونه وآثاره القانونية ومدى استمراريته الزمنية ومن أطلق على هذا الإتفاق عنوان “إتفاق إطار” أراد تهريب هذا الإتفاق دون المرور بالمجلس النيابي في محاولة لإقصاء فرامل الرئيس نبيه بري ولذلك سنقول له بكل بساطة “خيط بكل المسلات ،نبيه بري لن يلبس قميص من خياطتكم”.
ثالثاً: الدور الدستوري للمجلس النيابي
يمارس المجلس النيابي دورًا رقابيًا أساسيًا في حماية الدستور من خلال مجموعة من الصلاحيات، أبرزها:
١-الموافقة أو رفض التصديق على المعاهدات الدولية الملزمة
٢-مراقبة عمل الحكومة واستجوابها سياسيًا ودستوريًا
٣ـطرح الثقة بالحكومة في حال تجاوز الصلاحيات
٤-ممارسة الرقابة على السياسات العامة ذات الطابع السيادي
٥-متابعة مدى احترام مبدأ التوازن بين السلطات
ويُعتبر هذا الدور ضمانة أساسية لمنع أي التزام دولي طويل الأمد يتم خارج الإطار الدستوري الصحيح.
وعليه ،هذا الإتفاق ليس إتفاق إطار أبدا”:
الأمور واضحة لتحديد مسار هذا الإتفاق لأن عنصر الزمن يعتبر من أهم المعايير في التقييم الدستوري للاتفاقات الدولية، إذ إن أي اتفاق:
يمتد لسنوات طويلةأو يرتب التزامات مستمرة للدولةأو يؤثر على السيادة أو القرار الوطني بشكل دائم يُعتبر من حيث الجوهر اتفاقًا يحتاج إلى موافقة السلطة التشريعية، لأنه يتجاوز طبيعة التفاهمات المؤقتة أو الإجراءات الإدارية.
وعليه فإننا نطالب رئيس المجلس النيابي تشكيل لجنة تحقيق برلمانية وهذا يندرج ضمن إطار ممارسة المجلس النيابي لصلاحياته الرقابية، إذ أن الدستور اللبناني أعطى للنواب الحق بالمطالبة بتشكيل لجنة تحقيق برلمانية في أي ملف عام يثير جدلًا دستوريًا أو سياسيًا، بما في ذلك الاتفاقات الدولية أو مسار التفاوض المرتبط بها.وتُعد هذه اللجنة أداة رقابية متقدمة تهدف إلى كشف الحقيقة وتوضيح المسار الكامل للقرار، من خلال:
١-جمع الوثائق والمستندات الرسمية المتعلقة بالاتفاق استدعاء الوزراء والمسؤولين والدبلوماسيين المعنيين و التحقق من وجود تفويض دستوري للتوقيع و التأكد من وجود ملاحق سرية ،أي إتفاق إطار هذا الذي يتضمن ملحق سري!!!!!
٢-تحديد طبيعة الاتفاق: إطار تفاوضي أم التزام نهائي ملزم كما تمتلك اللجنة صلاحيات تنظيمية مهمة، أبرزها:
٣-عقد جلسات استماع رسمية
٤-طلب المعلومات من الإدارات العامة
٥-إعداد تقرير مفصل يُرفع إلى الهيئة العامة للمجلس النيابي ويشكل هذا التقرير أساسًا لاتخاذ موقف نيابي لاحق، سواء عبر التوصيات أو عبر تفعيل أدوات رقابية إضافية، بما يعزز مبدأ الشفافية والمساءلة ويحمي الأطر الدستورية من أي تجاوز محتمل.
يا دولة الرئيس إن الدستور أعطاهم صلاحية التفاوض ولكن أعطاك صلاحية المراقبة الدقيقة والاستجواب وطلب المستندات وأكثر ما أوجعنا وجعلنا نخاف على الجنوب هو ما سمعناه في الإعلام أنك لم تطلع على مضمون الإتفاق قبل توقيعه ،إن المجلس النيابي اللبناني يشكل الركيزة الأساسية في حماية النظام الدستوري وضمان عدم تجاوز السلطة التنفيذية لصلاحياتها في إدارة الاتفاقات الدولية. وبين الاتفاق الإطاري والاتفاق النهائي، لن نسمح أن يضيع الجنوب وتشكيل لجنة تحقيق برلمانية هو ضمانة الجنوب وهو السبيل الوحيد لوضع ضوابط لهذا الوفد أو أي وفد آخر كي لا يغرد على هواها ،يا دولة الرئيس أنت علمتنا أن الشاطر هو من “يعدل المايلة قبل ما تميل ،فكيف إذا مالت على الجنوب؟” فقد وجب تعديلها ولن ننتظر أن يوقعوا إتفافات وبعدها نضطر إلى “إنزال الحمار عن الميدنة” لأن إسرائيل” لن تترك لنا لا حمار ولا ميدنة “.



