
لا يزال الوضع الأمني في لبنان، ولا سيما في الجنوب والضاحية الجنوبية، يثير الكثير من الحيرة والقلق لدى الأهالي، وهذا الواقع لا ينعكس على الحياة اليومية فقط، بل يمتد تأثيره مباشرة إلى المجتمع التربوي، حيث يجد الأهالي أنفسهم أمام قرارات صعبة تتعلق بمستقبل أولادهم وتعليمهم.
فالأسر التي عادت إلى قراها بعد فترات النزوح لا تزال تعيش حالة من عدم الاستقرار. فالكثير منها يتريث في العودة النهائية إلى منازله، فيما حافظ عدد كبير منها على مساكن مستأجرة في مناطق تعتبر أكثر أماناً، تحسباً لأي تطورات أمنية جديدة. هذا الواقع خلق حالة من الضبابية أمام الأهالي الذين باتوا أمام خيارين: إما تسجيل أبنائهم في مدارس قراهم، أو إبقاؤهم في المدارس الموجودة في مناطق النزوح.
هذه الحيرة تضع وزارة التربية أمام استحقاق كبير، إذ إن القرار التربوي لا يمكن أن ينتظر اتضاح الصورة الأمنية بشكل كامل، بل يحتاج إلى استعداد مسبق لكل السيناريوهات المحتملة. فالسؤال الأساسي الذي يطرح نفسه: هل تمتلك المدارس الرسمية في المناطق الآمنة القدرة الاستيعابية لاحتواء أعداد إضافية من الطلاب في حال استمرار النزوح أو تأخر العودة؟
ولا يمكن تجاهل الواقع الاقتصادي الصعب الذي يعيشه النازحون، حيث أصبح التعليم الرسمي الخيار الوحيد للكثير من العائلات التي لم تعد قادرة على تحمل أعباء المدارس الخاصة. وبالتالي، فإن أي خطة تربوية يجب أن تنطلق من قراءة واقعية لحاجات هذه الأسر وقدرتها على تأمين تعليم أبنائها.
من هنا، فإن وزيرة التربية والتعليم العالي الدكتورة ريما كرامي، التي أثبتت خلال المرحلة الماضية قدرتها على تحمل المسؤولية ومواجهة التحديات، تحتاج إلى وضع خطة استباقية تقوم على ثلاثة مسارات واضحة:
الخطة الأولى: استمرار الوضع الحالي
في حال بقي الوضع الأمني على ما هو عليه، فمن المتوقع أن يتجه عدد من الأهالي إلى تسجيل أولادهم في مناطق النزوح، مع ضرورة إجراء مسح دقيق لأعداد الطلاب في القرى الجنوبية التي عاد إليها جزء من الأهالي، خصوصاً أولئك الذين لم يعد بمقدورهم الاستمرار في أماكن النزوح.
وهنا تبرز الحاجة إلى فتح باب التسجيل في وقت مبكر، وتحديداً مع بداية شهر آب، حتى تمتلك الوزارة الوقت الكافي لدراسة الأعداد، وفتح شعب جديدة عند الحاجة، وتأمين الأساتذة والكوادر التعليمية المطلوبة قبل انطلاق العام الدراسي.
الخطة الثانية: تثبيت وقف إطلاق النار وعودة الأهالي
في حال استقر الوضع الأمني وبدأت عودة تدريجية للأهالي بعد انطلاق العام الدراسي، فإن الوزارة ستكون أمام تحديات أخرى، أبرزها إعادة تأهيل المدارس المتضررة، وترميم ما يحتاج إلى صيانة، وتأمين المستلزمات التعليمية، إضافة إلى معالجة النقص في أعداد الأساتذة في المناطق التي ستشهد عودة كثيفة للطلاب.
فالعودة إلى القرى لا تعني فقط فتح أبواب المدارس، بل تتطلب بيئة تعليمية قادرة على استقبال الطلاب الذين مروا بظروف نفسية واجتماعية صعبة.
الخطة الثالثة: عودة التصعيد والنزوح مجدداً
أما السيناريو الأصعب، وهو انهيار وقف إطلاق النار وعودة الحرب والنزوح كما حصل في العام الماضي، فيفرض على الوزارة أن تكون جاهزة منذ البداية بخطة طوارئ واضحة، تحدد مراكز استقبال النازحين، وآليات استمرار التعليم في ظروف استثنائية، بما في ذلك التعليم عن بُعد أو أي بدائل تربوية مناسبة.
فالانتظار حتى وقوع الأزمة لم يعد خياراً مقبولاً، لأن التجربة السابقة أثبتت أن القطاع التربوي يدفع الثمن الأكبر عند غياب التخطيط المسبق.
لقد خرجت وزيرة التربية الدكتورة ريما كرامي من ملف الامتحانات الرسمية بصورة عززت حضورها لدى الرأي العام، بعدما أظهرت قدرة على اتخاذ القرار وتحمل الضغوط، ولم تؤثر الحملات الإعلامية التي واجهتها على مسار عملها، بل شكلت بالنسبة إليها حافزاً إضافياً للاستمرار في تحمل المسؤولية.
واليوم، فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى مقاربة مختلفة، تقوم على الشراكة الوطنية. ومن هنا، فإن المطلوب من المكاتب التربوية كافة وخاصة المكتب التربوي المركزي في حركة أمل والتعبئة التربوية المبادرة إلى التواصل مع وزيرة التربية، ووضع الإمكانات والخبرات في خدمة وضع خطط العام الدراسي، بعيداً عن الحسابات الضيقة، لأن ملف التربية أكبر من أي جهة أو فريق.
فالتربية في هذه المرحلة ليست مسؤولية وزارة وحدها، بل مسؤولية مجتمع كامل، والنجاح في عبور العام الدراسي المقبل يحتاج إلى تعاون الجميع، لأن مستقبل الطلاب لا يحتمل الانتظار ولا يحتمل غياب الرؤية.



