أخبار تربوية

إلغاء امتحانات البكالوريا في زمن الحرب: من يملك القرار؟ وكيف تُمنح إفادة تعادل الشهادة الرسمية؟

مع تصاعد العدوان على لبنان واتساع دائرة المخاطر الأمنية والنزوح وتضرر عدد من المؤسسات التعليمية، عاد الجدل حول مصير الامتحانات الرسمية، ولا سيما شهادة الثانوية العامة بفروعها المختلفة. وبين من يتمسك بإجراء الامتحانات حفاظاً على هيبة الشهادة الرسمية، ومن يطالب بإلغائها حمايةً للطلاب والعاملين في القطاع التربوي، يبرز السؤال الأهم: كيف تُلغى الامتحانات الرسمية قانوناً؟ ومن يملك هذه الصلاحية؟ وهل تستطيع الدولة منح إفادة تعادل الشهادة الرسمية إذا تعذر إجراء الامتحانات بسبب الحرب؟

القانون اللبناني أعطى الجواب عام 2020

للإجابة عن هذه الأسئلة لا حاجة إلى الاجتهاد أو التخمين، لأن لبنان سبق أن واجه ظرفاً استثنائياً مشابهاً من حيث النتائج، وإن اختلف من حيث الأسباب.

ففي عام 2020، ومع تفشي جائحة كورونا وإعلان التعبئة العامة، رأت الدولة اللبنانية أن إجراء الامتحانات الرسمية بات يشكل خطراً على الصحة والسلامة العامة بسبب استحالة جمع عشرات آلاف المرشحين والمراقبين والعاملين في مراكز الامتحانات.

إلا أن الدولة لم تلجأ إلى إلغاء الامتحانات بقرار وزاري أو بمذكرة إدارية، بل سلكت الطريق الدستوري والتشريعي الصحيح.

فأصدر مجلس النواب القانون رقم 184 تاريخ 19 آب 2020 الذي ألغى الامتحانات الرسمية لشهادة الثانوية العامة بفروعها الأربعة وشهادة البكالوريا الفنية، ومنح الطلاب إفادات رسمية تتمتع بالحقوق نفسها التي تمنحها الشهادة الرسمية.

وهنا تكمن النقطة القانونية الأساسية: لم يكن الهدف مجرد إلغاء الامتحانات، بل تأمين الحقوق القانونية للطلاب.

لماذا احتاج الأمر إلى قانون؟

الشهادة الرسمية ليست مجرد ورقة تثبت النجاح في امتحان، بل هي مركز قانوني كامل يترتب عليه عدد كبير من الحقوق، منها:

  • الانتساب إلى الجامعات اللبنانية والأجنبية.
  • الاشتراك في مباريات مجلس الخدمة المدنية.
  • الترشح للوظائف العامة.
  • الحصول على التراخيص المهنية التي تشترط حيازة الشهادة الثانوية.
  • الاستفادة من مختلف الحقوق التي تربطها القوانين بحيازة هذه الشهادة.

ولأن هذه الحقوق مقررة بقوانين نافذة، لم يكن ممكناً منحها بقرار إداري أو بمرسوم عادي، بل استوجب الأمر صدور قانون من مجلس النواب.

ولهذا نص القانون 184/2020 صراحة على أن الإفادة الممنوحة للطلاب تخول حاملها الحقوق ذاتها كافة التي يتمتع بها حامل شهادة الثانوية العامة.

الحرب اليوم والوباء أمس: اختلاف في السبب ووحدة في النتيجة

من الناحية القانونية لا يرتبط الحل بسبب الأزمة بقدر ما يرتبط بنتيجتها.

في عام 2020 كان الخطر ناتجاً عن انتشار وباء كورونا.

أما اليوم فقد يكون الخطر ناتجاً عن:

  • الاعتداءات العسكرية المستمرة.
  • القصف الجوي والصاروخي.
  • النزوح الواسع للسكان.
  • تعذر الوصول الآمن إلى مراكز الامتحانات.
  • تضرر أو تعطيل عدد من المدارس والثانويات.
  • استحالة تأمين المساواة الفعلية بين جميع المرشحين.

فإذا ثبت أن هذه الظروف تجعل إجراء الامتحانات خطراً على سلامة الطلاب أو متعذراً عملياً، يصبح من الممكن قانوناً اعتماد الآلية التشريعية نفسها التي اعتمدت عام 2020.

هل تستطيع وزيرة التربية وحدها إلغاء الامتحانات؟

الجواب لا.

وزيرة التربية تملك صلاحية إدارة العملية التربوية وتنظيم الامتحانات الرسمية، لكنها لا تملك منفردة صلاحية منح إفادات تعادل الشهادة الرسمية بكل آثارها القانونية.

فهذا الأمر يتطلب تدخلاً تشريعياً لأن الحقوق المترتبة على الشهادة الرسمية مقررة بقوانين نافذة.

لذلك فإن أي قرار يقضي بإلغاء الامتحانات ومنح الطلاب إفادات تعادل الشهادة الرسمية يحتاج في النهاية إلى قانون يصدر عن مجلس النواب.

ماذا لو تمسكت الوزيرة بإجراء الامتحانات؟

هنا تبرز مسألة دستورية مهمة.

فإذا اعتبرت وزيرة التربية أن الظروف الأمنية لا تمنع إجراء الامتحانات ورفضت رفع تقرير يتحدث عن تعذر تنظيمها، فإن ذلك لا يعني أن ملف الإلغاء يصبح مقفلاً نهائياً وهنا على السادة النواب وبالأخص إيهاب حمادة أن يسمع بدقة ما سنقول :

السلطة في لبنان لا تتركز بيد وزير واحد وبالتالي فإن امتناع الوزير عن رفع تقرير لا يمنع النواب من ممارسة حقهم التشريعي.

مجلس الوزراء هو السلطة التي ترسم السياسة العامة للدولة، ومجلس النواب هو السلطة التشريعية التي تملك حق سن القوانين.

وبالتالي فإن امتناع وزير التربية عن تبني خيار الإلغاء لا يمنع نظرياً من سلوك مسار تشريعي مستقل إذا اقتنعت السلطات الدستورية الأخرى بوجود ظرف استثنائي يبرر ذلك.

هل يشترط تقرير من وزارة التربية؟

التقرير الوزاري قد يشكل مستنداً مهماً لدعم قرار الإلغاء، لكنه ليس المصدر الوحيد للمعلومات.

فالدولة تستطيع الاستناد إلى:

  • تقارير الأجهزة الأمنية.
  • تقارير الجيش والقوى الأمنية.
  • تقارير المحافظين والقائمقامين.
  • معطيات النزوح الواسع.
  • الوقائع الميدانية المتعلقة بالقصف والاعتداءات.
  • تقارير الدفاع المدني والصليب الأحمر والجهات المختصة.

وبالتالي فإن تقدير وجود خطر استثنائي لا يبقى حكراً على وزارة التربية وحدها وهنا على نواب لجنة التربية أن يسمعونا بدقة :

إن محضر إجتماع اللجنة مع معالي وزير الدفاع و معالي وزير الداخلية والذي تم التدوين فيه أن لا ضمانة أمنية لحماية الطلاب والعاملين في الإمتحانات يوازي التقرير الذي ممكن أن ترفعه وزيرة التربية وبذلك فإنه نقطة إرتكاز وإنطلاقة ويخول المجلس النيابي إقرار القانون المعجل المكرر.”

كيف يتم الإلغاء قانوناً إذاً؟

المسار الدستوري الأكثر سلامة يتمثل في الخطوات الآتية:

أولاً: إثبات وجود ظروف استثنائية تجعل إجراء الامتحانات خطراً أو متعذراً.

ثانياً: مناقشة الملف على مستوى مجلس الوزراء والسلطات المختصة بما فيها لجنة التربية النيابية .

ثالثاً: تقديم مشروع قانون من الحكومة أو اقتراح قانون معجل مكرر من النواب.

رابعاً: إصدار قانون ينص على:

  • إلغاء الامتحانات الرسمية للسنة المعنية.
  • منح الطلاب إفادات تثبت إنهاء المرحلة الدراسية.
  • اعتبار هذه الإفادات معادلة للشهادة الرسمية.
  • منحها جميع الحقوق القانونية والإدارية والمهنية التي تتمتع بها الشهادة الأصلية.

الخلاصة

إن القانون اللبناني حسم هذه المسألة منذ عام 2020. فحين تعذر إجراء الامتحانات الرسمية بسبب جائحة كورونا لم تلغَ الامتحانات بقرار إداري، بل بقانون صادر عن مجلس النواب منح الطلاب إفادات تتمتع بالقوة القانونية نفسها التي تتمتع بها الشهادة الرسمية.

ومن هذا المنطلق، إذا رأت الدولة اللبنانية أن الحرب والاعتداءات العسكرية والظروف الأمنية الراهنة تجعل إجراء امتحانات البكالوريا أمراً يهدد سلامة الطلاب أو يخل بمبدأ المساواة أو يجعل الامتحانات متعذرة عملياً، فإن الطريق الدستوري السليم لا يكون بقرار وزاري منفرد، بل بقانون جديد على غرار القانون رقم 184/2020.

وعندها لا يعود السؤال: هل يمكن إلغاء الامتحانات؟

بل يصبح السؤال القانوني الحقيقي: هل بلغت الظروف الاستثنائية حداً يبرر لجوء السلطة التشريعية إلى تكرار التجربة التي اعتمدتها الدولة اللبنانية سابقاً لحماية الطلاب وضمان حقوقهم؟

ملاحظة: هذا المقال مكتوب بصيغة قانونية تحليلية بحتة، ويعرض جميع الاحتمالات الدستورية دون تبني موقف مؤيد أو معارض لإجراء الامتحانات ،نحن نحترم جهود معالي الوزيرة ريما كرامي وموقفنا هو إجراء إمتحانات دورة أولى في منتصف تموز والدورة الإستثنائية تحدد لاحقا”، خاصة أن عدد الذي تسجلوا للدورة الثانية لا يتجاوز ال ١٠٪ ،لذلك فإننا نطرح التأجيل كمدخل للتوافق على حل .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى