
بينما ينشغل الرأي العام بالنقاش حول الامتحانات الرسمية ، يغيب السؤال الأخطر: من يحاسب من قتل التعليم في لبنان؟ من يحاسب من دمر المدارس، وقتل الطلاب والأساتذة ومديري المدارس، وحرم آلاف الأطفال من حقهم الأساسي في التعلم وإستكمال العام الدراسي؟
لقد تحول النقاش الوطني، للأسف، من البحث في كيفية حماية المدارس إلى البحث في كيفية التكيف مع استهدافها. وأصبح إقفال المدارس أو نقل الطلاب من منطقة إلى أخرى هو الحل المطروح، فيما بقي المعتدي بمنأى عن أي مساءلة سياسية أو قانونية حقيقية.
هنا يبرز السؤال: أين لجنة التربية النيابية؟
في ظل حرب مدمرة ومجازر وحشية تتطلب مواقف وطنية شجاعة فإن دور لجنة التربية لا يقتصر على إصدار توصية غير ملزمة ، بل إنها، بصفتها لجنة نيابية، تتحمل مسؤولية دستورية ورقابية في الدفاع عن القطاع التربوي عندما يتعرض لاعتداءات تهدد وجوده.
إن مقدمة الدستور اللبناني تنص بوضوح على التزام لبنان بميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وهما يكفلان الحق في التعليم ويحظران الاعتداء على المدنيين والمؤسسات المدنية. كما أن النظام الداخلي لمجلس النواب يمنح اللجان النيابية صلاحية دراسة القضايا الداخلة ضمن اختصاصها، وإعداد التقارير، ومساءلة السلطة التنفيذية، ورفع التوصيات، والتواصل مع الجهات المعنية بشأن القضايا الوطنية الكبرى.
أما على المستوى الدولي، فإن القانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقيات جنيف لعام 1949 والبروتوكول الإضافي الأول لعام 1977،يمنحان المدارس حماية خاصة باعتبارها منشآت مدنية، ويعتبر استهدافها أو استهداف الطلاب والمعلمين انتهاكاً خطيراً قد يرقى، بحسب ظروف كل حالة، إلى جرائم تستوجب المساءلة وفق القانون الدولي.
والأخطر من ذلك أن لجنة التربية النيابية على اطلاع مباشر على حجم المخاطر. فقد عقدت اجتماعات مع وزيري الداخلية والدفاع لبحث الواقع الأمني وإمكان إستكمال العام الدراسي والامتحانات. وإذا كانت قد تبلغت أن الدولة اللبنانية غير قادرة، بسبب العدوان، على توفير الحماية اللازمة للمدارس والطلاب، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل ينتهي دور اللجنة عند هذا الحد؟
هل يكفي أن يكون الحل هو إبقاء المدارس مقفلة، وتعليق الدراسة، وتأجيل التعليم، وكأن المشكلة تكمن في المدرسة نفسها، لا في من استهدفها؟
إن الاعتراف بالعجز عن حماية المدارس هو إخفاق وليس إنجاز يتباهى به بعض نواب اللجنة و لا يجب أن يكون نهاية دورها، بل بداية دورها الحقيقي ،فحين تعجز الدولة عن حماية طلابها بسبب عدوان خارجي، يصبح واجب اللجنة أن تنقل القضية من إطارها الإداري إلى الإطار الوطني والدولي، وأن تستخدم كل الصلاحيات التي يمنحها لها الدستور والنظام الداخلي لمجلس النواب للدفاع عن الحق في التعليم.
كان يفترض باللجنة أن تعد ملفاً وطنياً موثقاً يتضمن أسماء المدارس المدمرة، وأعداد الطلاب والمعلمين والإداريين الذين قتلوا أو أصيبوا، والخسائر التي لحقت بالقطاع التربوي، وأن ترفع هذا الملف إلى الأمم المتحدة، واليونسكو، واليونيسف، ومجلس حقوق الإنسان، والاتحاد البرلماني الدولي، وأن تطالب بإرسال بعثات تقصي حقائق، وفتح تحقيقات دولية، ومحاسبة المسؤولين عن استهداف المؤسسات التعليمية.
وكان يفترض بها أيضاً أن تدعو البرلمانات العربية والأجنبية إلى اتخاذ مواقف واضحة دفاعاً عن حق الأطفال اللبنانيين في التعليم، وأن تجعل قضية المدارس المدمرة قضية رأي عام دولي، لا مجرد بند على جدول أعمال اجتماعات داخلية.
إن إقفال المدارس قد يكون إجراءً اضطرارياً لحماية الأرواح، لكنه لا يجوز أن يتحول إلى البديل الوحيد عن مواجهة الجريمة. فالمدرسة التي أغلقت بسبب العدوان ليست مجرد مبنى توقف عن استقبال الطلاب، بل دليل على انتهاك خطير للحق في التعليم، وعلى جريمة لا يجوز أن تمر من دون مساءلة.
إن التاريخ لن يسأل لجنة التربية كم اجتماعاً عقدت لمناقشة إلغاء الامتحانات، بل سيسألها: ماذا فعلت عندما دمرت المدارس أمام أعينها؟ ماذا فعلت عندما قتل الطلاب والأساتذة ومديرو المدارس؟ وهل اكتفت بالرضوخ ، أم حملت قضية التعليم اللبناني إلى العالم وطالبت بالعدالة؟
إن حماية التعليم لا تكون بالهروب نحو الإلغاء، بل تبدأ بالدفاع عن المدارس، وعن الطلاب، وعن المعلمين، وعن حق كل طفل في أن يتعلم بأمان.
واليوم، أكثر من أي وقت مضى، تقع على عاتق لجنة التربية النيابية مسؤولية تاريخية. فإما أن تكون صوت التعليم اللبناني أمام المجتمع الدولي، وأن تستخدم مكانتها البرلمانية للمطالبة بمحاسبة من استهدف المدارس وقتل أبناءها، وإما أن تكتفي بالصمت ، تاركة الجريمة بلا محاسبة والضحايا بلا عدالة وتضييع الوقت بالتغريدات التي تذكرنا بعجزها.
إن التعليم في لبنان لا يحتاج فقط إلى إعادة إعمار الحجر، بل إلى إعادة الاعتبار للعدالة. والعدالة تبدأ عندما تتحول دماء الطلاب والمعلمين والمدارس المدمرة من أرقام في التقارير إلى قضية وطنية ودولية لا يسكت عنها أحد.



