
تُثار في بعض النقاشات السياسية والقانونية فكرة مفادها أن بدء المفاوضات بين دولتين يؤدي تلقائيًا إلى تعليق حق اللجوء إلى القضاء الدولي أو رفع الدعاوى أمام المحاكم الدولية. إلا أن هذا الطرح غير دقيق قانونًا ولا يستند إلى قاعدة عامة في القانون الدولي.
بل إن الفقه والاجتهاد القضائي المستقرين يؤكدان أن التفاوض والتقاضي وسيلتان متوازيتان ومتكاملتان لحل النزاعات الدولية، ولا يؤدي أحدهما تلقائيًا إلى وقف الآخر إلا بنص صريح أو اتفاق محدد ولذلك سنقوم بشرح بعض النقاط :
أولًا: غياب القاعدة العامة في اجتهاد محكمة العدل الدولية
أكدت محكمة العدل الدولية في أكثر من مناسبة أن اختصاصها لا يُعلّق بمجرد وجود مفاوضات سياسية بين الأطراف.
في قضية تطبيق اتفاقية القضاء على التمييز العنصري (قطر ضد الإمارات)، نظرت المحكمة في دفع يتعلق بوجود محاولات تفاوض واتصالات سياسية، لكنها لم تعتبر أن هذه الاتصالات تشكل مانعًا من ممارسة الاختصاص القضائي، بل ركزت على ما إذا كانت الشروط القانونية في المعاهدة قد استُوفيت.
ويُفهم من هذا الاتجاه أن المحكمة لا تتعامل مع “المفاوضات” كعائق تلقائي أمام التقاضي، بل تبحث فقط في وجود أساس قانوني صريح يمنع أو يقيّد رفع الدعوى.
ثانيًا: شرط التفاوض ليس قاعدة عامة بل التزام تعاقدي
في قضية جورجيا ضد روسيا، أوضحت المحكمة أن بعض الاتفاقيات الدولية قد تتضمن شرطًا يفرض التفاوض المسبق قبل اللجوء إلى القضاء، إلا أن هذا الشرط:
“لا ينشأ من قاعدة عامة في القانون الدولي، بل من النص الصريح للمعاهدة المعنية.”
وبالتالي، فإن وجود شرط التفاوض أو “استنفاد المفاوضات” هو استثناء تعاقدي وليس مبدأً عامًا ملزمًا لجميع الدول.
ثالثًا: استمرار التقاضي بالتوازي مع المفاوضات
في عدة نزاعات حديثة، استمرت الإجراءات القضائية الدولية بالتوازي مع المسارات السياسية، وهو ما يعكس الطبيعة المستقلة لكل مسار.
في قضية أوكرانيا ضد روسيا (اتفاقية الإبادة الجماعية)، استمرت المبادرات الدبلوماسية والمفاوضات السياسية بين الأطراف، بينما واصلت أوكرانيا تقديم طلبات تدابير مؤقتة وإجراءات قضائية أمام المحكمة.
كما أن ممارسات دولية أخرى تُظهر أن اللجوء إلى القضاء الدولي، مثل المحكمة الجنائية الدولية أو محكمة العدل الدولية، لا يتوقف تلقائيًا بسبب وجود حوار سياسي أو مفاوضات جارية.
رابعًا: الخلاصة القانونية
يتضح من الاجتهاد القضائي والممارسة الدولية أن:
١-لا توجد قاعدة عامة في القانون الدولي تُلزم بتعليق الدعاوى أثناء المفاوضات.
٢-المبدأ هو جواز التوازي بين التفاوض والتقاضي.
٣-أي تعليق لحق رفع الدعاوى لا يكون إلا:
- نص صريح في اتفاق دولي،
- أو بشرط تعاقدي خاص،
- أو بقرار إجرائي من المحكمة المختصة.
إن القول بأن “المفاوضات بين الدول تؤدي تلقائيًا إلى تعليق الدعاوى الدولية” هو تعميم غير دقيق قانونيًا. فالقانون الدولي، كما تطبقه محكمة العدل الدولية، يقوم على أساس أن الحق في التقاضي يظل قائمًا ما لم يتم التنازل عنه صراحة أو تقييده باتفاق واضح.



