
في خضمّ الظروف الأمنية الخطيرة التي يمرّ بها لبنان، ومع استمرار الاعتداءات والقصف الذي يطال الجنوب بشكل خاص ويهدّد حياة المدنيين دون تمييز، عاد ملف الامتحانات الرسمية إلى واجهة النقاش الوطني، بين من يطالب بإجرائها حفاظًا على مستقبل الطلاب والشهادة الرسمية، وبين من يدعو إلى إلغائها أو تأجيلها بسبب المخاطر الأمنية التي قد ترافق تنقّل الطلاب والأساتذة والعاملين في القطاع التربوي.
وفي خضم هذا الانقسام، لا بد من التذكير بأن وزيرة التربية والتعليم العالي تتحمّل مسؤولية الملف التربوي وفق القوانين والأنظمة المرعية الإجراء، وعليها اتخاذ التدابير الاستثنائية التي تراعي أوضاع الطلاب وتؤمّن أكبر قدر ممكن من العدالة التربوية. وهذا ما سعت إليه الوزيرة الدكتورة ريما كرامي من خلال مقاربتها للملف، واضعةً مصلحة الطلاب فوق أي اعتبار آخر.
إلا أنّ هناك حقيقة دستورية وإدارية لا يجوز تجاهلها، وهي أنّ الأمن ليس من صلاحيات وزارة التربية. فالوزيرة تستطيع اتخاذ القرارات التربوية، لكنها لا تملك وحدها قرار تأمين الحماية الأمنية لمراكز الامتحانات والطرق المؤدية إليها. هذه المسؤولية تقع على عاتق الدولة اللبنانية بكل مؤسساتها، وفي مقدمتها وزارة الداخلية ووزارة الدفاع والأجهزة الأمنية المختصة.
لذلك فإن إجراء الامتحانات الرسمية في ظل الظروف الاستثنائية الحالية ليس قرارًا تربويًا صرفًا، بل قرار وطني تشارك فيه الحكومة مجتمعة. ومن هنا جاءت موافقة مجلس الوزراء على الآلية المقترحة لإجراء الامتحانات، كما جاء الدعم من الرؤساء الثلاثة لهذا التوجّه.
لكن الجميع يدرك أن هذه الموافقة تبقى مرتبطة بتطور الأوضاع الميدانية والأمنية، وقد تتغيّر إذا تبدّلت المعطيات على الأرض، لأن سلامة الطلاب تبقى الأولوية المطلقة فوق أي اعتبار آخر.
أما أبناء الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية، فلهم مرجعيتهم الوطنية والسياسية المعروفة، ولا يستطيع أحد أن يزايد على الرئيس نبيه بري في حرصه على مستقبل طلاب الجنوب وأبنائه. وإذا كانت القراءة الوطنية والأمنية تقود إلى إجراء الامتحانات، فإن أبناء الجنوب سيكونون في مقدمة الملتزمين بها رغم كل التحديات والآلام التي يعيشونها.
لكن ما يثير الاستغراب هو محاولات بعض نواب التغيير ركوب موجة الامتحانات الرسمية في هذه المرحلة الحساسة، وكأنهم اكتشفوا فجأة هموم الطلاب ومعاناة القطاع التربوي. والسؤال المشروع: أين كان هؤلاء طوال الأشهر الخمسة عشر الماضية عندما كانت المدارس تتعرض للتهديد، وعندما سقط أساتذة ومديرون شهداء على أبواب مدارسهم وفي بلداتهم؟ وأين كانت مواقفهم يوم كان التربويون يدفعون أثمان الحرب من دمائهم وأرزاقهم واستقرارهم النفسي؟
إن من يعجز عن إصلاح قسطل مياه في دائرته الانتخابية، أو عن معالجة أبسط المشكلات الإنمائية التي وعد ناخبيه بحلّها، عليه أن يراجع أداءه وأن يتحمّل مسؤولياته، لا أن يحاول تعويم حضوره السياسي عبر المزايدة في الملف التربوي أو البحث عن شعبوية عابرة على حساب قضايا الطلاب وأهاليهم.
والجميع يعلم أن رئاسة الجمهورية تتابع بدقة التقارير الأمنية والعسكرية المرتبطة بإمكانية إجراء الامتحانات الرسمية، وأن القرار النهائي سيُبنى على الوقائع والمعطيات الميدانية لا على الحملات الإعلامية أو المزايدات السياسية. وربما لهذا السبب يسارع البعض إلى محاولة قطف إنجاز مسبق أو تسجيل موقف شعبوي قبل صدور القرار الرسمي النهائي.
أما ما شهدته مواقع التواصل الاجتماعي من تطاول على كرامة وزيرة التربية واستخدام عبارات مسيئة وغير لائقة بحقها، فهو أمر مرفوض أخلاقيًا وقانونيًا. فالاختلاف في الرأي حق مشروع، أما الإساءة الشخصية والتشهير والتحقير فتبقى أفعالًا يعاقب عليها القانون، ومن حق الوزيرة اتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة للدفاع عن كرامتها وكرامة الموقع الذي تمثله.
لقد أثبتت الوزيرة ريما كرامي خلال الأشهر الماضية أنها قريبة من أبناء الجنوب، تعرف معاناتهم وتدرك حجم التضحيات التي يقدمونها. زارتهم وجلست معهم واستمعت إلى هواجسهم، وهم يبادلونها الاحترام ذاته. وهي تدرك كما يدرك الجميع أهمية المرجعيات الوطنية التي تحفظ وحدة اللبنانيين وتمنع الفتنة والانقسام ولذلك في كل إستحقاق تزور الرئيس نبيه بري وتستمع إلى توجيهاته وخبرته في هذا المجال لأن ظروف اليوم إن كانت جديدة على البعض لكنها ليست جديدة على الرئيس بري والمواجهة مع العدو في كافة الميادين ومنها التربوية له فيها باع وذراع وأطروحة.
لقد تعلّم اللبنانيون من مدرسة عين التينة أن احترام جميع الطوائف والمناطق والتمسّك بالعيش المشترك هو الطريق الوحيد لحماية الوطن في الأزمات. ومن هذا المنطلق، لا يوجد خلاف شخصي مع وزيرة التربية، وإن اختلفت الآراء حول بعض الخيارات أو المقاربات، فذلك يبقى ضمن إطار الحرص المشترك على مصلحة الجنوب وطلابه ومستقبل أبنائه.
في النهاية، تبقى الحقيقة واضحة: أمن الامتحانات مسؤولية مجلس الوزراء والدولة اللبنانية بكل مؤسساتها وأجهزتها، أما المزايدات السياسية فلن تحمي طالبًا واحدًا ولن تؤمّن طريقًا آمنًا إلى مركز امتحان والأمر متروك إلى المرجعيات عليها التقرير وعلينا الإلتزام



