
في ظل الظروف الاستثنائية التي يمر بها لبنان، وما يرافقها من تحديات أمنية واقتصادية واجتماعية، برز ملف الامتحانات الرسمية كواحد من أكثر الملفات حساسية وتأثيرًا على مستقبل الطلاب وعائلاتهم. وفي خضم الجدل الذي رافق هذا الملف، لا بد من التوقف عند الجهد الذي بذلته وزيرة التربية والتعليم العالي ريما كرامي، والتي استحقت التقدير لأنها حاولت حتى اللحظة الأخيرة إجراء الامتحانات الرسمية ولم تفقد الأمل أو تستسلم للواقع الصعب.
لقد عملت الوزيرة، إلى جانب موظفي وزارة التربية والمركز التربوي للبحوث والإنماء، لساعات طويلة من أجل دراسة الخيارات المتاحة وجمع المعلومات والمعطيات اللازمة لاتخاذ القرار المناسب. وقد سعت بكل إمكاناتها إلى الحفاظ على قيمة الشهادة الرسمية وإعطاء الطلاب فرصة استكمال مسيرتهم التعليمية بصورة طبيعية، رغم أن البلاد تعيش تحت وطأة ظروف أمنية معقدة واستثنائية.
ونحن أبناء الجنوب، أصحاب قضية نؤمن بالدفاع عن الأرض والكرامة، ندرك أن احترام كرامة الإنسان لا يقل أهمية عن أي قيمة أخرى. لذلك فإن الاختلاف في الرأي لا يبرر أبدًا الإساءة أو التجريح أو المساس بكرامة أي شخص. ومن هذا المنطلق، فإننا ندين كل أشكال التطاول على وزيرة التربية كما ندين أي إساءة تطال أي مسؤول أو مواطن، لأن الحوار العقلاني والقانوني يبقى السبيل الوحيد لمعالجة الخلافات وتقريب وجهات النظر.
كان بإمكان وزيرة التربية أن تختار الطريق الأسهل وأن تعلن العجز كما فعلت لجنة التربية النيابية و الجهات الأمنية وكما تفعل مؤسسات كثيرة في الدولة التي نعاني فيها من أزمات متراكمة في المياه والكهرباء والخدمات الصحية وغيرها. إلا أنها فضّلت العمل والمواجهة وتحمل المسؤولية، وسعت إلى إيجاد حلول بدل الاستسلام للمشكلات. وهذا الموقف يعكس التزامًا مهنيًا وأخلاقيًا يستحق الاحترام، بصرف النظر عن الاتفاق أو الاختلاف معها في قضايا أخرى.
ولن ينسى أبناء الجنوب أن الوزيرة زارت المنطقة خلال العام الماضي في ظروف أمنية بالغة الخطورة، حتى إن إحدى الغارات وقعت على مقربة منها. وفي وجدان أهل الجنوب، تبقى مثل هذه المواقف الإنسانية والوطنية حاضرة في الذاكرة ولا يمكن تجاهلها.
كما أن لجنة التربية النيابية قامت بدورها في متابعة الملف، رغم ما كشفته بعض النقاشات من حاجة ملحة إلى تعزيز الثقافة القانونية لدى عدد من المسؤولين. وقد استدعى الأمر تدخل مجلس شورى الدولة لتوضيح الأطر القانونية المتعلقة بقرار الامتحانات.
نحن نعتبر في ابن البلد نيوز أننا قمنا بدورنا خلف الكواليس وأمام الرأي العام وسعينا إلى الدفع نحو الحوار الهادئ والبنّاء، بعيدًا عن التصعيد والانقسام، إيمانًا بأن المصلحة الوطنية تقتضي تغليب لغة القانون والتفاهم ولاقينا ترحيب من معالي الوزيرة ومستشارها القانوني وكذلك من النواب الذين تواصلنا معهم ومع من أردنا أن نتواصل معه من الأحزاب ويتوجب الشكر.
لكن القضية تتجاوز الامتحانات نفسها. فعدم القدرة على تنظيم امتحانات رسمية لمدة خمسة أيام يطرح أسئلة عميقة حول واقع المدارس في الجنوب والضاحية والبقاع وصيدا وحارة صيدا وقرى صور وإقليم التفاح ومستقبل العام الدراسي المقبل. وإذا كانت الظروف الأمنية قد حالت دون تنظيم استحقاق تربوي محدود زمنيًا، فكيف يمكن طمأنة الأهالي والطلاب بشأن استمرارية التعليم في المناطق المتأثرة بهذه الظروف؟ وكيف يمكن استعادة الثقة بالمدارس إذا بقيت المخاوف الأمنية قائمة؟ ومن سيسجل أولاده في هذه المدارس بعد أن أجمع كل النواب أنها غير آمنة ؟هل ستتحول هذه المدارس الى قاعات خالية؟
لقد نجحت ريما كرامي مرتين في هذا الملف. نجحت أولًا لأنها تمسكت بمحاولة إجراء الامتحانات حتى اللحظة الأخيرة ولم تستسلم بسهولة. ونجحت ثانيًا لأنها دفعت الطبقة السياسية إلى مواجهة حقيقة مؤلمة طالما جرى تجاهلها، وهي أن البيئة التعليمية في بعض المناطق لم تعد تتمتع بالاستقرار والأمان الكافيين لضمان استمرارية العملية التربوية بالشكل المطلوب.
ورغم الاختلاف معها في العديد من القضايا والآراء، يبقى الاحترام واجبًا تجاه شخص أثبت الصدق في التعاطي والإصرار على أداء واجبه حتى النهاية. أما الاتهامات والملفات المتعلقة بالفساد أو سوء الإدارة، فإن مكانها الطبيعي هو القضاء، والقانون لا يأخذ بالكلام يأخذ بالإدعاءات والمستندات والدولة القانونية تقوم على المحاسبة القضائية العادلة لا على الاتهامات المتبادلة واذا كانت أجهزة الرقابة لا تريد العمل وكذلك القضاء هذا يعني أن المشكلة هناك.
في الختام، لا بد من توجيه الشكر إلى كل موظف في وزارة التربية، وكل مدير مدرسة، وكل معلم، وكل طالب حاول أن يثبت أن الأمل ما زال موجودًا في مدارس لبنان. كما نتوجه بالشكر إلى كل من عارض إجراء الامتحانات بطريقة حضارية ومسؤولة، لأن النقد البنّاء حق مشروع، شرط أن يبقى بعيدًا عن القدح والذم والإساءة .
شكرًا لوزارة التربية.
شكرًا لطلاب لبنان.
شكرا” لنواب لبنان أخبرتونا الحقيقة أنتم بكل مفاوضاتكم عاجزون عن إجراء إمتحانات لخمسة أيام .
كلمة السر: “إلى الإلغاء دُر”



