
بعد ما نشره إعلام العدو عن الامتحانات الرسمية، وما تضمّنه من اتهام لشباب القرى الذين يدافعون عن أرضهم المحتلة بأنهم يفرضون “منطق الحرب على قيم التقدم والتطور”، أصبح لدى طلاب الجنوب حاجة ملحة لخوض الامتحانات الرسمية، لا باعتبارها مجرد استحقاق تربوي، بل باعتبارها حاجة وطنية أيضاً، ورسالة تؤكد أن أبناء الجنوب قادرون على مواجهة كل محاولات النيل من إرادتهم ومن حقهم في التعليم.
ومن هنا، فإننا نطلب من معالي وزيرة التربية الدكتورة ريما كرامي أن تسمح لكل طالب جنوبي يريد خوض الامتحانات الرسمية بأن يفعل ذلك دون أي قيد أو شرط، انسجاماً مع الموقف الذي سمعناه منها ومفاده: “عندما يسقط أخي أرفع الراية وأكمل”. وطلاب الجنوب هم أهل الراية، ولا يريدون إسقاطها، بل يريدون أن تبقى مرفوعة بالعلم والصمود والنجاح.
وفي الكلمة التي ألقتها معالي الوزيرة من على منبر قصر بعبدا، والتي تحدثت فيها عن حملة شخصية استهدفتها، فإننا نعلن بوضوح أن الجنوب وطلابه وأهله وناسه ومرجعياته براء من أي حملة إساءة شخصية. فأهل الجنوب استقبلوا معالي الوزيرة العام الماضي على أبواب مراكز الامتحانات بالأحضان والدعاء، وكانت أمهات الجنوب يستقبلنها بعيون مليئة بالمحبة والطيبة والامتنان. وأهل الجنوب هم أهل قضية ووفاء، ويربون أبناءهم على احترام أساتذتهم ومديري مدارسهم، فكيف إذا تعلق الأمر بمقام وزارة التربية، ولا سيما أن الوزيرة تنتمي إلى الشمال الذي احتضن أهل الجنوب خلال النزوح.
وانطلاقاً من ذلك، فإننا نتمنى على معالي وزيرة التربية أن تطلب من الأجهزة الأمنية التحقيق في الحملة التي تعرضت لها، وأن تلجأ إلى القضاء إذا رأت أن هناك مخالفات تستوجب ذلك، لأن حماية المجتمع والطلاب من أي استغلال أو حملات منظمة هو أيضاً واجب تربوي ووطني، وحتى لا تتكرر مثل هذه الظواهر مستقبلاً. وإذا كانت هناك بالفعل حملة ممولة، فمن حق الرأي العام أن يعرف من يقف خلفها، وما أهدافها، ولا سيما في ظل ما اعتبره كثيرون تزامناً بين هذه الحملة والتغطية الإعلامية الصادرة عن إعلام العدو.
لقد كان موقف المرجعيات الوطنية للطائفة الشيعية واضحاً، وهو إجراء دورة واحدة في منتصف تموز، يليها دورة استثنائية. كما أن الوزيرة نفسها، بحسب ما نُقل عنها، صرحت بأن دولة الرئيس نبيه بري لا يريد الإفادات. ولذلك فإننا نتمسك بالسماح لكل طلاب الجنوب بالمشاركة في الامتحانات، طالما أن القرار أصبح اليوم قرار الطالب وأهله.
إن وقوف معالي وزيرة التربية على منبر قصر بعبدا، وإعلانها أن الوزارة جاهزة لإجراء الامتحانات وأن العائق الوحيد أمني، وأن كل الحملات التي شنت عليها لم تؤثر في قرارها ولا في تمسكها بإعطاء شهادة لمن يريد أن يتقدم إلى الامتحانات، هو موقف لا يسعنا إلا أن نرفع له قبعة الاحترام.
فالوزيرة كرامي وجهت رسالة إلى المجتمع الدولي مفادها أن وزارة التربية قادرة على اتخاذ قرارات تستند إلى الدراسات والبيانات، وليست وزارة عاجزة عن إدارة الاستحقاقات الوطنية. كما عززت مسيرتها من خلال المسار الآخر المتمثل بإقرار المناهج، فأعفت من جهة، وأنجزت المناهج من جهة أخرى، ووجهت في الوقت نفسه رسالة إلى الداخل اللبناني بأنها قادرة على إدارة وزارتها واتخاذ قرارات إصلاحية جريئة ولا غطاء على أحد.
أما نحن، فلسنا خبراء في المناهج حتى نصدر الأحكام عليها، ولن ننساق وراء الشائعات أو التسريبات المتعلقة بالمناهج أو التلزيمات، لأننا لم نعد نثق بكل ما يقال. فقد أثبتت التجارب السابقة أنه في كل ملف تظهر حملات وتسريبات وشائعات، ثم يتبين لاحقاً أن وراءها أطرافاً تسعى إلى تحقيق مصالح معينة، وما إن تحقق ما تريد حتى تختفي تلك الحملات. ولذلك فإننا نرفض أن نكون أداة في أي معركة لا تقوم على الوقائع.
ويبقى أخيراً القرار الذي صدر عن مجلس الوزراء، والذي لم يستخدم عبارة “إلغاء” الامتحانات، بل استخدم عبارة “إعفاء”. وهذه الصياغة، التي يبدو أن من وضعها “شاطر” ويملك خبرة قانونية، تعني أن الامتحانات لا تزال قائمة، وأن من لا يرغب في التقدم إليها قد أُعفي منها، ولم يتم إلغاؤها.
وهذا الأمر لا يعنينا ولن ندخل في سجال حول المعدل والإفادات لأن موقفنا واضح “الإفادة هي شهادة دون رصيد” وطالما سيُسمح لطلاب الجنوب بالمشاركة الكاملة في الامتحانات. أما إذا وُضعت آلية تؤدي عملياً إلى عرقلة مشاركة طلاب الجنوب أو الحد منها، فإننا سنعتبر أن هناك من تعمد سلخ الجنوب عن هذا الاستحقاق الوطني، وعندها سيكون لنا مع المرجعية السياسية كلام وسلام، وحديث طويل، ونقاط كثيرة، وحروف لن تُقال إلا في وقتها.



