
في لبنان، يبدو المشهد التربوي اليوم كطائر الفينيق الأسطوري؛ يُحاصر بالنار والرماد، تتساقط من حوله القرى والمدارس، ويغيب طلابه قسرًا تحت وطأة النزوح والخوف، لكنه لا يستسلم للفناء.
من بين الركام، تتشكّل إرادة النهوض من جديد، لا بوصفها خيارًا، بل ضرورة وجودية لمجتمع يرفض أن تنطفئ فيه شعلة التعلّم. فالجنوب يُستهدف بعنف، وقرى تُمحى من الخريطة، فيما تمتد التهديدات إلى البقاع، في مشهد يضع العملية التربوية أمام اختبار غير مسبوق: إما الانكسار، أو إعادة التشكّل على أسس أكثر صلابة وعدالة.
لا تقتصر الحرب على الحجر، بل تمتدّ لتطال عمق المجتمع وبنيته التربوية. أمام هذا الواقع، تتشكّل لوحة تربوية متناقضة: ربيعٌ في مناطق لا تزال العملية التعليمية فيها قائمة، وخريفٌ قاسٍ في مناطق أُفرغت من طلابها ومدارسها.هذا التفاوت الحاد يضعنا أمام اختبار حقيقي لمفهوم العدالة التربوية، التي لا تعني المساواة الشكلية، بل توفير فرص تعلّم عادلة تراعي الفوارق والظروف القسرية التي فرضتها الحرب. فالطلاب اليوم لا ينطلقون من نقطة بداية واحدة، بل من واقع متشظٍ بين النزوح، والخوف، والانقطاع القسري عن التعليم.
أولى ركائز الاستجابة التربوية الفعّالة تكمن في إدارة قائمة على البيانات. فلا يمكن بناء سياسات تعليمية في ظل الأزمة دون امتلاك صورة دقيقة عن حجم الفاقد التعليمي، ونسبة الانقطاع، ومستوى الدمار الذي أصاب المؤسسات التربوية في القطاعين الرسمي والخاص، الأكاديمي والمهني. إن توحيد مصادر البيانات وتنقيحها، بإجماع الجهات المعنية، يشكّل المدخل الإلزامي لأي تدخل ناجح.
في موازاة ذلك، تبرز الحاجة إلى التخطيط المرن متعدد السيناريوهات لاستكمال العام الدراسي. فالتعليم الحضوري، رغم التحديات، يبقى الخيار الأكثر فاعلية من حيث جودة التعلّم والدعم النفسي الاجتماعي، شرط تأمين بيئة آمنة. ومن هنا، يصبح هدف “مقعد آمن لكل طالب نازح” أولوية وطنية لا تحتمل التأجيل.
أما على مستوى التقويم، فإن العدالة في الامتحانات الرسمية تفرض إعادة التفكير في آليات التقييم. فلا يمكن محاسبة طلاب انقطعوا قسرًا عن الدراسة بالمعايير نفسها المعتمدة في الظروف الطبيعية. المطلوب خطة دعم شاملة تعالج الفاقد التعليمي، وتعترف بحدود التعليم عن بُعد في المراحل ما قبل الجامعية، حيث لا تزال الفجوة الرقمية عائقًا بنيويًا أمام تكافؤ الفرص.من جهة أخرى، تواجه المدارس والثانويات تحديًا مزدوجًا يتمثل في أداء دورها التعليمي، وفي الوقت نفسه استيعاب العائلات النازحة. هذا الواقع يستدعي مقاربة تكاملية للصمود المؤسسي، تضمن استمرار هذه المؤسسات دون استنزاف مواردها أو انهيارها، من خلال خطط استيعاب مدروسة تحافظ على كرامة النازحين واستمرارية التعليم معًا.
ولا يمكن إغفال أهمية الدعم المالي والتنظيمي للقطاع التربوي، خصوصًا الخاص منه، الذي يشكّل شريكًا أساسيًا في المنظومة التعليمية. إن تخصيص جلسة وزارية لبحث سبل تعزيز صمود هذا القطاع، وإصدار مراسيم تخفف الأعباء المالية المترتبة عليه، يشكّل خطوة ضرورية لمنع انهيار إضافي في البنية التعليمية.
في صلب كل ذلك، تبرز الحاجة إلى حوكمة تربوية موحّدة، تقوم على تنسيق فعّال بين جميع المعنيين بالقطاع التربوي وفريق وزارة التربية. إن تكثيف النقاشات العلمية وتبادل الخبرات، وصولًا إلى مشروع وطني موحّد، هو السبيل لضمان استمرارية المؤسسات التعليمية في المناطق المتضررة وتلك التي استقبلت النازحين، مع تأمين التمويل اللازم دون استثناء.
إن ما يواجهه لبنان اليوم يتجاوز كونه أزمة تعليمية عابرة؛ إنه اختبار لقدرة الدولة والمجتمع على حماية حق أساسي من حقوق الإنسان: الحق في التعليم. وفي هذا السياق، يبقى النقاش العلمي الموضوعي، البعيد عن المزايدات، المدخل الوحيد لإنتاج حلول واقعية ومستدامة.
وفي قلب هذا المشهد المعقّد، تقف وزيرة التربية الدكتورة ريما كرامي في موقع المسؤولية الأولى، حاملةً “كرة النار” في قطاع يُعدّ من أكثر القطاعات هشاشة في زمن الحرب. لقد واجهت حتى الآن حربين خلال تولّيها مهامها، واستطاعت، رغم المخاطر والضغوط، أن تُبقي العملية التربوية قائمة، وأن تنظّم امتحانات رسمية في ظروف بالغة القسوة، حتى تحت وقع القصف.
إن هذه التجربة تؤكد أن استمرارية التعليم في لبنان ليست خيارًا تقنيًا فحسب، بل قرار وطني يتطلب شجاعة في القيادة وتكاملًا في الأدوار. وعليه، فإن توحيد الجهود خلف رؤية تربوية واضحة، ودعم خطة وزارة التربية مع حق النقاش الموضوعي، يبقى السبيل الوحيد لحماية مستقبل جيلٍ كامل مهدّد بفقدان حقه في التعلّم.



