
لم تكن السياسة في لبنان يومًا ساحة مفتوحة للجميع، بل ظلت لسنوات طويلة ملعبًا يحتكره الرجال، تديره العائلات الكبرى، وتتحكم به التوازنات الطائفية . أما النساء، فبقين على هامش المشهد، حاضرات بفعلهن الاجتماعي والثقافي، غائبات عن مراكز القرار إلا بحدود ما يسمح به النظام الأبوي والموروث السياسي المتجذر.
لكن في السنوات الأخيرة، بدأت ملامح التغيير تلوح في الأفق ، ولو على استحياء. أصوات نسائية فرضت نفسها في الشارع، في الإعلام، في الجامعات، وحتى في قاعات البرلمان، لتكسر صورة المرأة كعنصر مساعد وتثبت حضورها كصانعة قرار. لم يعد السؤال عن قدرة النساء على المشاركة في الحكم، بل عن مدى استعداد الطبقة السياسية التقليدية لفتح الأبواب أمامهن. فهل نشهد بالفعل تحولًا حقيقيًا في دور المرأة في السياسة اللبنانية، أم أن ما تحقق حتى الآن لا يعدو كونه استثناءً لن يلبث أن يتلاشى أمام جدران النظام الطائفي الراسخة؟
في الانتخابات النيابية لعام 2022، ترشحت 118 امرأة، مقارنة بـ86 مرشحة في انتخابات 2018، مما يشير إلى زيادة في الاهتمام بالمشاركة السياسية بين النساء. من بين هؤلاء، فازت 8 نساء بمقاعد في البرلمان، مقارنة بـ6 في الدورة السابقة. هذا الارتفاع الطفيف يرفع نسبة التمثيل النسائي في البرلمان إلى حوالي 6%، وهي نسبة لا تزال بعيدة عن المعدل العالمي الذي يقضي بتمثيل النساء بنسبة 30% في هياكل الحوكمة.
من بين النائبات الفائزات في انتخابات 2022، برزت أسماء مثل نجاة صليبا، أستاذة جامعية وناشطة بيئية، التي فازت عن دائرة بيروت الأولى، وحليمة قعقور، أستاذة جامعية وناشطة في مجال حقوق الإنسان، التي فازت عن دائرة الشوف – عاليه، إضافة إلى بولا يعقوبيان، الإعلامية والناشطة السياسية، التي فازت عن دائرة بيروت الأولى. كما انضمت إلى المجلس النيابي كل من الدكتورة عناية عز الدين، طبيبة وناشطة في مجال الصحة العامة، التي فازت عن دائرة الجنوب الثانية (صور – الزهراني)، وسينتيا زرازير، ناشطة اجتماعية، فازت عن دائرة بيروت الأولى، وستريدا جعجع، عضو في حزب القوات اللبنانية، فازت عن دائرة الشمال الثالثة، وغادة أيوب، أستاذة جامعية وناشطة سياسية، فازت عن دائرة الجنوب الأولى (صيدا – جزين)، ندى البستاني وزيرة سابقة للطاقة والمياه في حكومة الرئيس سعد الحريري في العام 2019، تنتمي إلى حزب التيار الوطني الحرّ).
إلى جانب البرلمان، شهدت الحكومة اللبنانية الجديدة التي تشكلت في يناير 2025 برئاسة نواف سلام تعيين 5 نساء من أصل 24 وزيرًا، مما يشكل نسبة 20% من التشكيلة الحكومية. هذا التقدم يُعتبر خطوة إيجابية نحو تعزيز دور المرأة في مواقع صنع القرار، لكنه لا يزال أقل مما تطمح إليه الحركات النسوية والمجتمع المدني.
رغم هذه التطورات، لا تزال النساء في لبنان يواجهن تحديات كبيرة في المجال السياسي.
فالنظام الطائفي يحد من فرصهن في الوصول إلى المناصب القيادية، إذ تبقى الأولوية للرجال ضمن الحسابات التقليدية للأحزاب. كما أن غياب الكوتا النسائية في القوانين الانتخابية يجعل التنافس أكثر صعوبة، حيث تخضع مشاركة النساء للقرارات الحزبية والمصالح السياسية. إضافة إلى ذلك، لا تزال العقليات الاجتماعية والثقافية تلعب دورًا في تقييد طموحات النساء سياسياً، فغالبًا ما يُنظر إليهن كعنصر داعم وليس كمنافس حقيقي على السلطة.
لتحقيق تغيير مستدام في تمثيل النساء سياسيًا في لبنان، لا بد من الدفع نحو إصلاحات قانونية تضمن حصة محددة للنساء في المجالس المنتخبة، إضافة إلى تعزيز الوعي المجتمعي بأهمية دور المرأة في السياسة. كما أن التغيير الحقيقي يتطلب إرادة سياسية جدية تتجاوز الحسابات الضيقة التي حكمت الحياة السياسية لعقود.
اليوم، يقف لبنان أمام مفترق طرق، فإما أن يكون هذا الحضور النسائي في السياسة مقدمة لتحولات أعمق تعيد تشكيل المشهد السياسي اللبناني، وإما أن يبقى مجرد موجة عابرة سرعان ما تخمد تحت وطأة النظام الطائفي.
السؤال الأهم: هل النساء مستعدات لمواجهة هذا التحدي حتى النهاية، أم أن النظام السياسي أقوى من أي محاولة لاختراقه؟



