
في زمن لم تعد فيه الورقة البيضاء تشكّل إغراءً، وتحوّل الحبر إلى مجرد حنين لدى القلّة، يواجه المجتمع اللبناني تحدّيًا ثقافيًا كبيرًا ألا وهو تراجع مستوى القراءة لدى الطلاب ،للأسف لم تعد الكتب رفيقة المقاعد الدراسية كما كانت، ولم يعد المشهد المألوف هو طالب يسرق لحظة بين الحصص ليغرق في عالم الأدب أو الفلسفة، بل هاتف مضيء يجتذب العيون إلى عوالم افتراضية لا نهاية لها.
أسباب التراجع: بين إغراء الشاشات وضعف السياسات:
لا يمكن الحديث عن أزمة القراءة بمعزل عن الثورة الرقمية التي جعلت المعلومة متاحة بضغطة زر، لكنها في المقابل حرمت العقل من لذة البحث والتنقيب، إن لعنة الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي خلقت جيلاً يميل إلى الاستهلاك السريع للمحتوى، حيث الأخبار القصيرة، والمقاطع المصورة، والعناوين الجذابة أصبحت بديلاً عن الكتب والمقالات العميقة. لكن التكنولوجيا وحدها ليست المسؤولة وحدها لأن النظام التعليمي اللبناني لم يعد يعطي الأولوية للمطالعة كجزء أساسي من تكوين الطالب على سبيل المثال في العقود الماضية، كانت المكتبات المدرسية عامرة بالكتب، وكان الأساتذة يحثّون الطلاب على القراءة خارج المنهج، بينما اليوم، تحوّلت المناهج إلى سباق مع الوقت لإنهاء الدروس المطلوبة، وسط ضغوط الامتحانات والاختبارات الرسمية.
من جهة أخرى، الأزمة الاقتصادية لعبت دورًا في عزوف كثيرين عن شراء الكتب، إذ بات سعر الرواية أو الكتاب الفكري يفوق قدرة العائلات المتوسطة على الإنفاق في بلد أصبح فيه تأمين الاحتياجات الأساسية أولوية.
الحلول المقترحة: كيف نعيد للقراءة وهجها؟
ليس من المستحيل إعادة إحياء حب المطالعة بين الطلاب، لكن ذلك يتطلب جهودًا متكاملة من المدارس والأهل والمجتمع.
أولًا، لا بد من إعادة الاعتبار لدور المكتبات المدرسية، عبر تزويدها بكتب تجذب الجيل الجديد، وتوفير مساحات للقراءة التفاعلية حيث يمكن للطلاب مناقشة ما يقرؤون و يمكن أيضًا دمج التكنولوجيا بدل مقاومتها، من خلال تخصيص تطبيقات ومنصات رقمية للكتب الإلكترونية، بحيث تصبح المطالعة متاحة بسهولة كما هي منصات الفيديو والألعاب.
ثانيًا، يجب أن يكون للأساتذة دور في غرس عادة القراءة، ليس فقط عبر تكليف الطلاب بكتب إضافية، بل بتحويل النقاشات الصفية إلى مساحة لاستكشاف الأفكار وتحفيز النقد والتحليل وبذلك عندما يرى الطالب أن القراءة ليست مجرد واجب مدرسي، بل وسيلة لفهم العالم، ستصبح جزءًا من يومياته.
أما على المستوى الوطني، فمن الضروري أن يكون هناك دعم حكومي وثقافي لمبادرات تشجّع القراءة، سواء عبر معارض الكتب، أو توفير إصدارات بأسعار مدعومة، أو إطلاق مسابقات أدبية تجعل الطلاب ينظرون إلى الكتاب كنافذة إلى المستقبل، لا كعبء إضافي.
في الختام قد يكون من السهل القول إن العصر تغيّر وإن المطالعة لم تعد أولوية، لكن الحقيقة أن القراءة لم تفقد قيمتها، بل فقدنا قدرتنا على الترويج لها بما يتناسب مع هذا الزمن ولذلك إذا أردنا جيلًا قادرًا على التفكير والنقد، فعلينا أن نعيد الاعتبار للكتاب، لا كبديل عن التكنولوجيا، بل كرفيق لها، حتى لا يصبح مستقبلنا رهينة لعالم سريع الاستهلاك، فقير المعرفة.



