
في زمن الانقسامات الحادة، غالبًا ما يُدفع القادة الذين يحاولون التوازن إلى دائرة الاتهام من جميع الجهات. وهذا ما يواجهه اليوم الرئيس نبيه بري، الذي يقف في قلب معادلة شديدة التعقيد: معادلة الحفاظ على الدولة من الانهيار، وحماية خيار المقاومة من الإلغاء في ظل وجود عدو لا يلتزم بأي إتفاف دون وجود رادع حقيقي.
في لحظة تاريخية يتصارع فيها منطق الحرب مع ضرورات البقاء، يصبح التمسك بالخط الوسطي عملاً شاقًا، لكنه في الوقت نفسه الخيار الأكثر واقعية.
منذ عقود، لم يكن الرئيس نبيه بري مجرد رئيس لمجلس النواب، بل أحد أعمدة التوازن الوطني في لبنان. هو ابن التجربة اللبنانية بكل تناقضاتها، وواحد من القلائل الذين جمعوا بين فهم الدولة ومفهوم المقاومة. لذلك، فإن تصويره اليوم إما كمعرقل للمفاوضات أو كداعِم للتطبيع المستحيل تحقيقه، هو تبسيط مخلّ لواقع أكثر تعقيدًا.
الفريق الذي يدفع باتجاه التفاوض يتهم الرئيس بري بعرقلة المسار، وكأنه يقف حجر عثرة أمام إنهاء الحرب. في المقابل، يتهمه الفريق الرافض للتفاوض بأنه يفتح الباب أمام تسويات قد تمسّ جوهر المقاومة. لكن الحقيقة أن بري لا ينتمي إلى أي من هذين المنطقين بشكل كامل. هو لا يرى في التفاوض هدفًا بحد ذاته، ولا في الحرب قدرًا لا مفر منه.
موقفه ينطلق من معادلة واضحة: لا إلغاء للمقاومة، ولا انهيار للدولة. هذه ليست مجرد شعارات، بل رؤية سياسية تحاول التوفيق بين واقعين لا يمكن القفز فوقهما. فالمقاومة، في نظره، تشكل عنصر قوة وردع لضمان أي إتفاق، لكن استمرار الحرب بالشكل الحالي يهدد الكيان اللبناني برمّته. ومن هنا، يصبح السعي إلى وقف الحرب ضرورة وطنية، لا تنازلًا سياسيًا.
لكن هذا السعي لا يأتي بأي ثمن. أي مفاوضات، وفق هذا المنطق، يجب أن تؤدي إلى انسحاب الاحتلال، وإعادة الإعمار، وتحرير الأسرى. وهي شروط تعكس محاولة لتحقيق إنجاز فعلي، لا مجرد هدنة مؤقتة. وفي المقابل، فإن رفض استهداف لبنان، ووقف أي عمل عدائي من الداخل، يشكلان أساسًا لاستقرار أمني دون الانزلاق إلى فخ التطبيع.
هذه المعادلة يمكن تلخيصها بعبارة دقيقة: سلام في الأمن على الأرض، وعداء في السياسة. أي لا حرب، ولكن أيضًا لا علاقات طبيعية. هو نموذج يشبه حالات دولية عديدة، حيث تتوقف المواجهات العسكرية دون أن تتحول العلاقة إلى صداقة أو اعتراف سياسي كامل.
في هذا الإطار، يبدو نبيه بري كمن يحاول إدارة التناقض، لا حسمه. هو يدرك أن إلغاء المقاومة غير ممكن، كما أن استمرار الحرب مدمّر. لذلك، يختار طريقًا ثالثًا: تثبيت توازن هش، يمنع الانفجار الكبير، ويحفظ الحد الأدنى من مقومات الدولة.
قد لا يرضي هذا النهج جميع الأطراف، بل ربما لا يرضي أي طرف بشكل كامل. لكنه، في بلد كلبنان، حيث التوازنات أدق من أن تُكسر، قد يكون الخيار الوحيد المتاح. فالتاريخ اللبناني لا يُدار بالشعارات القصوى، بل بالتسويات الصعبة.
في النهاية، يبقى السؤال: هل المشكلة في موقف نبيه بري، أم في عجز القوى السياسية عن الاتفاق على رؤية وطنية موحدة؟ ربما يكون موقف هذا الرجل الذي جسد العيش المشترك قولا” وفعلا” مجرد مرآة لانقسام أعمق، يعكس أزمة بلد لم يحسم بعد خياره بين الدولة والمقاومة، أو بالأحرى، لم يجد بعد الصيغة التي تجمعهما دون أن تدمر إحداهما الأخرى.



