Uncategorized

كوموندان هيكل :الجيش،الشعب،المقاومة في رجلٍ واحد.

في لحظات الخطر الوجودي، لا يعود الكلام من فضة ولا السكوت من ذهب، بل بالعكس يتحوّل الصمت إلى شراكة تاريخية في الجريمة عقوبتها لعنة تراب الجنوب إلى أبد الآبدين.

أيها الخاضعون لكراسيكم الرخيصة، الجنوب اللبناني لم يُترك تحت قصف العدو الجبان وحده فحسب، بل تُرك سياسيًا، أخلاقيًا، ووطنيًا، حين حاولتم تجريد شباب القرى من ثوب الكرامة في مشهد يختصر حجم الانهيار الذي أصابكم.

رغم محاولة بعض التافهين “عشاق المال الحرام ” محاولة تجميل الصورة لتغطية قباحة أفعالهم كان هناك قرى تُدمَّر، ناس تُهجَّر، أرض تُستباح، فيما كثيرون ممن يفترض أنهم قادة رأي وقرار انشغلوا بحسابات الخارج، وبالخوف من المواقف، وبفنّ التهرّب من المسؤولية خوفا” من “سحسوح العقوبات” وحده الرئيس نبيه بري بقي حصنا” حصينا” للجنوب.

واليوم وفي لحظة ثقيلة، انكشف التمايز الحقيقي بين من يحمل موقعًا ومن يحمل موقفًا. رودولف هيكل، قائد الجيش اللبناني، لم يتصرّف كموظف في منصب حساس، بل كقائد أدرك أن المؤسسة العسكرية لا تُختصر بالأوامر، بل تُقاس بقدرتها على حماية الوطن من الانقسام، وحماية الناس من الخذلان، وحماية الدولة من السقوط في مستنقع التوظيف السياسي.

بينما تخاذل الكثيرون عن نصرة الجنوب، بعضهم بالصمت، وبعضهم بالتبرير، وبعضهم بالهروب إلى خطاب “النأي بالنفس” خوفا” من التصعيد، قرّر قائد الجيش أن يقف حيث يجب أن يقف من يحمل أمانة السلاح الشرعي. رفض أن يُستخدم الجيش في مواجهة شعبه، ورفض أن يتحوّل إلى أداة داخلية تُشهر بوجه اللبنانيين، كما رفض أن يتلقى أوامره من أي جهة خارجية أو أن تُدار المؤسسة العسكرية وفق إيقاع الضغوط الدولية.

لم يرفع رودولف هيكل شعارات شعبوية، ولم يدخل بازار المزايدات، لكنه اختصر معادلة “الجيش والشعب والمقاومة” في ممارسة هادئة وصلبة في آن. حافظ على وحدة المؤسسة في زمن الاستقطاب، وعلى هيبة الدولة في زمن الانهيار، وعلى كرامة الجنوب في زمن كان فيه البعض مستعدًا للمقايضة عليه مقابل رضا الخارج لحماية حيثية سياسية قوامها عدد من أقزام السياسة الذين إمتهنوا فن الدجل والمكر وتركيب الطرابيش.

السياسيون الذين تركوا الجنوب يحترق لا يمكنهم الادعاء بالعجز. العجز حالة قسرية، أما ما جرى فكان خيارًا. خيار الصمت لأن الكلام مكلف، وخيار التخلّي لأن المواجهة تتطلب شجاعة، وخيار الاحتماء بشعارات الدولة فيما كانوا أول من فرّغ الدولة من معناها. أي دولة تلك التي تترك جزءًا من أرضها يُدمّر ثم تفاوض على المفردات؟ وأي وطنية تلك التي تُقاس بميزان ردود الفعل الدولية لا بميزان دم الناس وبيوتهم؟

في المقابل، وقف قائد الجيش ليمنع طعن الجنوب في ظهره سياسيًا. منع أن يُصوَّر أهله عبئًا أو خطأً أو فائضًا عن الحاجة الوطنية. منع أن يُجرَّم شباب القرى لأنهم يدافعون عن أرضهم ووجودهم، ومنع أن يتحوّل الجيش إلى شاهد زور على جريمة الخذلان الجماعي. بنى مواقفه تحت سقف الدستور، لا تحت طاولات الصفقات، واحترم المؤسسات في زمن كان فيه كثيرون يتعاملون معها كديكور.

هذا المقال ليس تمجيدًا لشخص بقدر ما هو توثيق لمرحلة تاريخية وطبقة سياسية متخاذلة. طبقة ستُسأل يومًا: أين كنتم حين كان الجنوب يُدمّر؟ وسيكون الجواب قاسيًا، لأن التاريخ لا يرحم الصامتين في لحظات النار. في المقابل، سيُسجَّل أن المؤسسة العسكرية، بقيادة رودولف هيكل، تقدّمت حين تراجعت السياسة، وثبتت حين اهتزّ الآخرون، وحمت ما تبقّى من معنى حين خذلت السياسة الجنوب، لم تحمه البيانات ولا الحسابات، بل حماه موقف. وحين سقط كثيرون في امتحان الوطنية، اجتازه الجيش. هنا، فقط هنا، يُفهم الفرق بين من يتقن إدارة السلطة، ومن يعرف كيف يُحمل الوطن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى