أخبار تربوية

ذو الفقار صبرا… فتًى لا يشبه الزمان ولا المكان

يقرأ لنا ذو الفقار فصلاً جديدًا من حكاية التفوق التي بدأت يوم نال إحدى المراتب الأولى في الشهادة المتوسطة. يومها كتبنا عنه في “ابن البلد نيوز”، ونشأت بيننا وبينه علاقة خاصة. تحدثنا مع والدته وهي دكتورة في تعليم اللغة الإنجليزية وكما اعتدنا، قدّمنا أنفسنا على أننا “ابن البلد نيوز”، لأننا لا نبحث عن الشهرة، بل نُضيء على القضايا التي نراها جوهرية في مجتمعنا.كان ذو الفقار من بين أولئك الذين تابعناهم عن قرب، لا من باب الاستعراض، بل من باب الإيمان العميق بقيمة الإنسان الذي يحمل قضية. هذا الفتى الجنوبي، كان منذ البداية شخصية استثنائية. وها هو اليوم، ينجح في امتحانات البكالوريا القسم الثاني بتفوق، ويفتح لنا بابًا جديدًا نحو عالم كان ينتظره منذ اثني عشر عامًا من العمل والتحدي والصبر.منذ طفولته، خاض ذو الفقار مراحل مؤلمة من العلاج والوجع، واجه فيها المرض، الحرب، النزوح، وخسارة الأحبة. مرّ في محطات صعبة، ولد في العام 2008 أي بعد سنة من فجر الإنتصار في 2006 و إلى وجع حرب أيلول 2024، بقي ثابتًا، شامخًا، يقرأ ويكتب ويواجه.هو فتًى يحمل من الثقافة ما يفوق عمره، ومن الوعي ما يهزّك من الداخل. أجوبته ليست عادية؛ تحملك إلى أماكن تتجاوز الأسى والخذلان، وتضعك أمام مرآة النور.

حين فاز في تحدي القراءة العربي، كتبت والدته منشورًا مؤثرًا على صفحتها، ويومها علّقنا نحن: “عذرًا، ذو الفقار، لقد أصبحت ولدنا جميعًا، فقد احتللت قلوبنا ولم نستطع المقاومة.”

اليوم، ندعو الجامعة الأميركية في بيروت أن تمنحه منحة كاملة في هندسة الاتصالات، لأن هذا المشروع مشروع “عالم” لا طالب عادي.

ونتوجه بندائنا إلى معالي وزيرة التربية والتعليم العالي، الدكتورة ريما كرامي، بصفتها التربوية والإنسانية:نطلب منكم أن تواكبوا ملف ذو الفقار صبرا بكل اهتمام، وأن تُفعّلوا القانون 220/2000، المادة 17، التي تنص صراحة على “حق الأشخاص المعوقين في التعليم المجاني على جميع المستويات، في المؤسسات الرسمية والخاصة، مع توفير التسهيلات الضرورية لهم”.إننا في “ابن البلد نيوز” لا نطلب استثناءً، بل تطبيق القانون، وتفعيل دور الدولة في دعم أصحاب الهمم، لا كمساعدة، بل كحق مكتسب. ونقترح أن تتوجهي إلى الجامعة الأميركية وإلى الجهات المانحة، لإعداد آلية شراكة تضمن لهذا الفتى الباهر استكمال مسيرته التعليمية بلا عراقيل.

أما أنتم، يا طلاب لبنان، من الجنوب إلى الشمال، فاسمعوا صوتنا جيدًا.من يعيش قرب النهر أو البحر لا يخاف من هدير الأمواج، بل يتعلم كيف يقرأ حركتها، ويفهم إشاراتها، ويتقن فن السباحة في وجه تياراتها.

لقد نجحتم اليوم في امتحاناتكم، وبدأت معركتكم الجديدة: معركة العلم، معركة التميز، معركة الصمود في وجه كل ما يحاول إسقاطكم.اذهبوا إلى الجامعات. احتلوا المراتب الأولى. تعلموا لأجل لبنان، لا لأجل وظيفة أو شهادة.

ومن فيكم لا يزال على مقاعد المدرسة، فتعلموا كيف تنبطحون أرضًا عند سماع غارة، وكيف تخبئون الحلم خلف الحيطان، ثم تعودون، كما عاد طلاب شمسطار، إلى مقاعدهم بكرامة.إياكم والخوف، إياكم والانسحاب إياكم أن يرى أحد دموعكم أو يتحدث عنكم أنكم منهارون أو ضعفاء.

تمردوا لا تجعلوا الظلم يعتاد على صمتكم، حتى لو اضطررتم إلى تكديس أكياس الرمل خلف الشبابيك داخل الصفوف . فأنتم أبناء أولئك الذين اختاروا الموت واقفين، ولم يتراجعوا شبراً عن كرامتهم.وحين تسألكم وسائل الإعلام عن صوت المسيّرات، لا تتأففوا، بل قولوا: هذا البحر لنا، هذا الليطاني لنا، وهذه السماء لنا، لأن الروح وحدها تقاتل، ولأن العقيدة هي السلاح الحقيقي الذي لا يُهزم.

وذو الفقار، هذا الفتى الذي هزم الجسد بالإرادة، وواجه الحرب بالقراءة، هو الردّ الحقيقي على العدو، الذي يعرف جيدًا أن أقسى هزائمه لم تكن في المعركة، بل في صبر هذا الجنوبي الصغير الذي بنى مملكة طموحه، وتربّع على عرشها سلطانًا حكيماً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى