
تمرّ الجامعة اللبنانية، كما حال مؤسسات الدولة كافة، بمرحلة دقيقة يتداخل فيها العجز الإداري مع الضغوط السياسية، لتنتج حملات إعلامية مبرمجة تضع علامات استفهام على أي خطوة إصلاحية أو إدارية، وكأننا أمام واقع يراد له أن يختزل الجامعة بقرارات فردية أو نزعات طائفية. والحقيقة التي يجب أن نعيد التأكيد عليها، أن لا أحد في الجامعة اللبنانية هو “حاكم بأمر الله”، بل هناك فقط من هو “حاكم بأمر القانون”، وكل قرار يُتخذ فيها يجب أن يخضع حصريًا للنصوص القانونية والدستورية، لا للاجتهادات أو الأهواء أو الحسابات الطائفية والسياسية.
المادة 25 واضحة… والحق لا يُجزّأ
إن المادة 25 من المرسوم رقم 75/67 المعدّل تُحدّد آلية تعيين عمداء الوحدات الجامعية، وتنص بوضوح على ضرورة أن يكون المرشح من بين الأساتذة في ملاك الكلية، أو من المتعاقدين المستوفين للشروط في حال عدم توفر العدد المطلوب، كما لم تمنع أبدًا ترشح من هو مكلّف بمهام العمادة. أي أن القانون لم يُقيد الترشيح بسبب التكليف، وهو أمر يعرفه أي مبتدئ في الحقوق، فكيف بمن يتولى مناصب مسؤولة في التشريع و حماية الدستور وتطبيق القانون وبناء جمهورية قوية؟
فراغ مؤسساتي يُعالج بالقانون لا بالهوى السياسي
في ظل غياب مجلس الجامعة، وتوقّف الآلية الطبيعية لتسمية العمداء، يبرز دور وزير التربية ورئيس الجامعة، استنادًا إلى المادة 1 من المرسوم الاشتراعي رقم 49/1977، التي تنص على أنه:
“في حال تعذّر على مجلس الجامعة ممارسة صلاحياته، ينوب عنه وزير التربية في ذلك.”
كما أن الدستور اللبناني في مادته 66 يلزم السلطات الإدارية بضمان استمرارية المرافق العامة، ولا يجيز ترك المؤسسات في حال من الشلل أو العجز. بناءً عليه، فإن ما قام به رئيس الجامعة من خطوات، بدءًا من جمع ترشيحات الوحدات، مرورًا بإحالتها إلى وزير التربية، وصولًا إلى رفع الأسماء إلى مجلس الوزراء، هو مسار منسجم مع النصوص القانونية، لا اجتهاد فيه ولا تجاوز.
التكليف ليس بدعة… بل ضرورة مؤقتة
نص المادة 25 من القانون لم يتناول كيفية إدارة الشغور أو التكليف، لكن الدستور اللبناني عالج هذا الموضوع حين ألزم الإدارات العامة باتخاذ الإجراءات الكفيلة باستمرارية المرافق. لذلك، فإن تكليف عمداء بالوكالة، لحين صدور مراسيم التعيين، ليس خروجًا عن النص، بل استجابة دستورية لمنع انهيار الإدارات الأكاديمية وضمان انتظام العمل الجامعي.
الحملة الإعلامية… سؤال مشروع حول خلفياتها
بعيدًا عن الشخصنة، لسنا معنيين بالدفاع عن رئيس الجامعة كشخص، ولا نبني مواقفنا على أسماء بل على مبادئ، لأن ما يعنينا فعلًا هو استمرار الجامعة كمؤسسة وطنية تحتضن شباب لبنان. لكن من حقنا أن نتساءل: لماذا الآن؟ ولماذا هذا الهجوم المتواصل الذي يُغفل النصوص القانونية ويتمترس خلف “الانطباعات” و”التحليلات”؟
وهل السبب الحقيقي هو عدم الاحتكام إلى القانون، أم أن المشكلة تتصل بطبيعة الجهة التي تتولى هذا الموقع، لأنه بحسب التقاسم الطائفي ينتمي إلى الطائفة الشيعية؟
الشيعة وتاريخ رفض الطائفية
لمن خانته الذاكرة أو تعمّد تجاهل الحقائق، فإن الشيعة كانوا من أوائل الداعين إلى إلغاء الطائفية السياسية في لبنان، وهم الذين نادوا بجعل لبنان دائرة انتخابية واحدة خارج القيد الطائفي، وكانوا ولا يزالون من أكثر المؤيدين لمبدأ المداورة في كل المناصب. وبالتالي، فإن الهجوم تحت ستار تحريف القانون إذا كان يخفي حسابات طائفية، فهو يُسيء إلى من يطلقه قبل أن يُسيء إلى الجامعة أو من يديرها اليوم.
القانون هو المَرجع… لا الأهواء
إن الجامعة اللبنانية ليست ملكًا لشخص ولا لطائفة، بل هي مؤسسة وطنية تحت سلطة القانون وحده. وأي قرار أو خطوة يجب أن تُقيّم ضمن هذا الإطار، لا ضمن الحسابات السياسية أو الطائفية. وإذا كانت رياح القانون لا تجري بما تشتهيه سفن بعض الشركاء في الوطن، فهذا لا يبرر الانقلاب على الدستور، ولا يسمح بإغراق السفينة الجامعة.
إن ما هو مطلوب اليوم ليس التشكيك، بل العودة إلى العقل والدستور، والبحث عن توافقات ضمن القانون تحفظ وحدة الوطن ومؤسساته. فالحفاظ على لبنان الواحد الموحد كوطن نهائي لجميع بنيه هو الضمانة الوحيدة لكل اللبنانيين، في هذه الظروف الحرجة التي تهدد الكيان قبل المؤسسة.



