
تمرّ الجامعة اللبنانية، كما هو حال العديد من مؤسسات الدولة، بمرحلة دقيقة تتشابك فيها الضغوط السياسية بالتحديات الإدارية. ومن الطبيعي أن تُثار تساؤلات عند كل استحقاق، خاصة حين يتعلق بتشكيلات على مستوى العمداء، في ظل فراغ مزمن في مجلس الجامعة. إلا أن القراءة الإعلامية الموضوعية لما يجري تفرض العودة إلى القانون، لا إلى التأويل والإجتهاد الشخصي، كمرجعية وحيدة لحماية هذا الصرح الأكاديمي الوطني لأن أي قرار يتخذه رئيس الجامعة يستمد شرعيته من القانون فقط ولا يوجد مرجعية سياسية كبيرة في هذا البلد قادرة حاليا” على إبرام أي إتفاق خارج سلطة القانون ونقطة على أول السطر.
أولًا: تعيين العمداء في النص الأصلي
تنص المواد 9 و10 من قانون تنظيم الجامعة اللبنانية (المرسوم رقم 75/67) على أن تعيين العمداء يتم عبر الآتي:
1. ترشيح خمسة أساتذة من مجلس الوحدة (أي مجلس الكلية).
2. يختار مجلس الجامعة من بينهم ثلاثة.
3. تُرفع الأسماء الثلاثة إلى مجلس الوزراء بناءً على اقتراح وزير التربية، ليُعيّن أحدهم بمرسوم.
هذه الصيغة تتطلب وجود مجلس جامعة فاعل، وهي الآلية الأساس التي يُفترض أن تُعتمد في الحالات العادية.
ثانيًا: غياب مجلس الجامعة وتفعيل المادة 1 من المرسوم الاشتراعي 49/1977
لكن الواقع اليوم يُظهر أن مجلس الجامعة غير قائم بوضعه القانوني الكامل، وغير قادر على ممارسة صلاحياته. وهنا يتدخل القانون مرة أخرى، من خلال المادة الأولى من المرسوم الاشتراعي رقم 49/1977، التي تنص صراحة على:
“في حال تعذّر على مجلس الجامعة لأي سبب ممارسة صلاحياته الترشيحية المنصوص عليها في المادتين 10 و25 من قانون الجامعة، ينوب عنه وزير التربية والتعليم العالي في ذلك.”وبالتالي، فإن ما حصل هو تفعيل لصلاحية احتياطية أوجدها القانون لحالات الشغور أو العجز المؤسسي. وقد تعاون رئيس الجامعة مع وزيرة التربية ضمن هذا الإطار، وليس خارجه، بهدف تأمين انتظام المرفق العام الجامعي.
ثالثًا: خطوات رئيس الجامعة منطق قانوني لا اجتهاد شخصي
عند مراجعة الخطوات التي قام بها رئيس الجامعة اللبنانية، نجد أنها انسجمت تمامًا مع الإطار القانوني وقائمة على خطوات قانونية بالتتابع:
١_دعوة مجالس الوحدات لترشيح أساتذة للعمادة.
٢_جمع الأسماء المرشحة، وثم رفعها إلى وزير التربية.
٣_تعاون مع الوزيرة لتفعيل صلاحياتها ورفع الأسماء إلى مجلس الوزراء بحسب المادة الأولى من المرسوم الاشتراعي 49، في ظل غياب مجلس الجامعة.
لم يقفز رئيس الجامعة فوق المؤسسات، بل حاول، ضمن الإمكانات المتوفرة قانونيًا، تفعيل ما هو موجود لتفادي مزيد من التعطيل.
رابعًا: هل يحق للأستاذ المُكلف أن يترشّح؟
سؤال آخر يُطرح: هل يحق لمن هو “مكلف” بمهام العمادة أن يترشّح للمنصب بشكل رسمي؟
الجواب القانوني: نعم، يحق له ذلك.فالقانون لم يُقيّد حق الترشّح ، بل فتح الباب أمام الأساتذة المستوفين للشروط الأكاديمية والرتب العلمية، سواء أكانوا مكلفين أم لا وعليه وبحسب القانون التكليف لا يُسقط صفة الأستاذية، ولا يحجب الحق بالترشيح، ما دام لا يوجد نص قانوني صريح يمنع ذلك.
خامسًا: ماذا لو لم يتوافر خمسة مرشحين؟
يشترط القانون أن يرشح مجلس الوحدة خمسة أساتذة، ولكن في حال لم يُقدِم سوى ثلاثة على الترشّح، هل تسقط العملية؟الجواب أيضًا: لا، القانون تحدث عن سقوط عملية الترشيح في حال كان العدد أقل من ثلاثة ولكن لا يوجد نص قانوني يتحدث عن سقوط عملية الترشيح في حال عدم وجود خمسة ،إذا المشرع القانوني وضع الرقم خمسة لتوسيع الخيارات ولكنه لم يجعله شرطا” أساسيا” وعليه عدم توفر العدد الكامل هو ظرف استثنائي لا يُبطِل الترشيح. بل يُعدّ مؤشراً على ضيق الخيارات، ما يُبرّر اللجوء إلى تفعيل صلاحيات الوزير وفق المرسوم 49. فالقانون لا يعاقب المؤسسة على قلة المرشحين، بل يعطي مرونة قانونية لضمان استمرارية العمل. وعدم وجود خمسة لا يعتبر تقييد لصلاحيات الوزيرة لأن صلاحية الإختيار هي في الأساس من صلاحيات مجلس الجامعة وعدم وجود مجلس نقلها إلى وزيرة التربية ،أما صلاحيات الوزيرة الأساسية بصفتها جزء من السلطة التنفيذية لم تمس ولا يمكن مسها وللوزيرة حق ممارستها على طاولة مجلس الوزراء وإذا كان لديها أي إعتراض على مستشاريها أن يشرحوا لها حدود صلاحياتها.
المادة ٦٦ من الدستور اللبناني واضحة الوزير يقترح التشكيلات بعد توقيعها على مجلس الوزراء الذي له صلاحية القرار.
محاولة خلق تبريرات لعدم التوقيع :
إذا كان طرح هذا الملف في الإعلام بالطريقة التي نقرأها يندرج ضمن إطار خلق جو عام أن هناك إشكاليات قانونية تمنع الوزيرة من التوقيع لتكن الأمور واضحة :لا يحق للوزيرة أن ترفض التوقيع إلا إذا رأت سببًا قانونيًا أو إداريًا جوهريًا يمنعها.لكنها ملزمة بتبرير موقفها استنادًا إلى القانون، لا إلى اجتهاد سياسي أو رأي شخصي إعلامي .
سادسًا: عن الاستناد إلى قرارات سابقة لمجلس شورى الدولة
أما الاستناد إلى رأي صادر عن مجلس شورى الدولة في ملف فردي سابق، فهو اجتهاد منطقي ولكن غير قانوني و لا يرقى إلى مرتبة “قاعدة ملزمة” ولا يُلغي مفاعيل التكليف بشكل عام، خصوصًا أنه لم يصدر أي قرار قضائي يُبطِل الترشيحات الحالية أو يعتبرها لاغية لسبب قانوني صريح .
هل يحق لرئيس الجامعة تكليف عميد:
هذا الموضوع لطالما كان محط جدل قانوني كون هناك قانون للجامعة وهناك تعديل والقانونين لم يحسما هذا الأمر لأنهما تناولا فقط موضوع الغياب المؤقت وليس الفراغ ،وعند وجود فراغ هنا الإدارة تعود لتطبيق الدستور المادة ٦٦ والتي تلزمها ضمان انتظام و استمرارية مرفق عام وعليه :
المادة 25 من القانون 66/2009 حصرت تعيين العمداء بمراسيم تصدر عن مجلس الوزراء، وبما أن هذا المجلس لم يعيّن عمداء أصيلين، ولمنع شلل المرفق الجامعي، فإن رئيس الجامعة اللبنانية، استناداً إلى المادة ١٤ من القانون المذكور ومبدأ استمرارية المرفق العام، يقوم بتكليف عمداء بالوكالة إلى حين صدور التعيينات الرسمية. ويجد هذا الإجراء سنده أيضاً في المادة ٦٦ من الدستور اللبناني التي تفرض على السلطات الإدارية ضمان انتظام واستمرارية المرافق العامة واتخاذ التدابير اللازمة عند الحاجة.
لا يُعالج الفراغ بالمراوحةو لا يُعالج بالتمنّي، بل بالقرارات المطبقة وفق ما تسمح به التشريعات القانونية. وما حصل في الجامعة اللبنانية مؤخرًا لا يخرج عن هذا الإطار. إذ إن القائمين على إدارتها واجهوا انسدادًا إداريًا وقاموا بتفعيل حلول نص عليها القانون، لضمان استمرار المؤسسة، وتفادي مزيد من الترهل في التعيينات.في زمن تكثر فيه الضغوط السياسية على الجامعة اللبنانية، تبقى المرجعية القانونية وحدها هي الحَكَم. وكل قراءة خارج هذا الإطار تُسهم في تعميق الأزمة، بدل حلّها وهذه الجامعة واهم من يظن أنه قادر على التحكم بقراراتها لأنها جامعة الوطن وتحتضن مستقبل شباب لبنان ومن يخالف القانون يتحمل مسؤولية مخالفاته وخاصة إذا كان وجوده لمدة عام والجميع يعلم أن قبضة القضاء أصبحت قوية وقطار المحاسبة سيمر على جميع المحطات وخاصة المحطة التربوية .



