
في النقاش حول الأستاذ إبراهيم عبيد: بين العتب والواجب الوطني في دعم التربية
شهدت الأيام الأخيرة نقاشًا حيويًا وعتبًا متبادلاً بين إحدى الصفحات التربوية الناشطة والأستاذ إبراهيم العبيد، المعروف بنشاطه التربوي والإعلامي على مواقع التواصل الاجتماعي، وبأسلوبه المختلف في دعم طلاب الشهادات الرسمية. العبيد ليس مجرد ناشط افتراضي، بل هو صاحب مركز تربوي ولديه منصة تربوية مجانية ويشارك منذ ثماني سنوات بإعطاء دروس تقوية للطلاب في كافة المحافظات من الشمال إلى بيروت إلى الجنوب يحمل العبيد كتبه التي لا لون طائفي ولا سياسي لها ويمضي إلى الطلاب .يُعرف عن إبراهيم العبيد اعتماده على أسلوب مبتكر في التحضير للامتحانات الرسمية يبدأ قبل شهرين من كل عام، عبر نشر تلخيصات شاملة، ونماذج أسئلة متوقعة تغطي المنهج كاملًا، ويتكثف ذلك خلال الأسبوعين الأخيرين للامتحانات، في ما بات يُعرف شعبيًا بين الطلاب بـ “ترشيحات إبراهيم العبيد”.
وإن كان هذا الأسلوب قد لاقى رواجًا واسعًا بين الطلاب والأهالي، لما يتضمنه من تبسيط للمادة وتركيز على المفاهيم الأساسية، إلا أنه أثار مؤخرًا بعض التحفظات الإعلامية والتربوية، خصوصًا لناحية بعض التعابير التي يستخدمها العبيد في منشوراته، مثل: “هني ذاتن”، و”احححمممممم”، و”ابلعوهن بلع”.
وهي عبارات يعتبرها الأستاذ العبيد أدوات تحفيزية تشد عزيمة الطلاب وأن همه الأساسي دعم الطلاب المعنوي والنفسي وفي الإمتحانات الرسمية الأخيرة جال بين المراكز يوزع المعمول الطرابلسي صباح الإمتحان معتبرا” أن هذا حلوينة النجاح المضمون، وفي حين يرى الأستاذ إبراهيم أن هذه التصرفات هي عفوية إلا أن الآخرين يرون فيها إيحاءات قد تفسَّر على نحو خاطئ، وكأنها تمهّد لتسريبات، ولو أن النية قد تكون عكس ذلك تمامًا.
في هذا السياق، تدخلت بعض الجهات التربوية كوسيط لتقريب وجهات النظر وتوضيح النيات، حيث أبدى العبيد تجاوبًا مسؤولًا، مشيرًا إلى أن ما يقوم به هو ثمرة جهد متواصل، ومتابعة دقيقة للمنهج الرسمي ولأنماط الأسئلة، وأنه خلال موسم الامتحانات فقد من وزنه 11 كيلوغرامًا نتيجة التعب والسهر والعمل المكثف. كما أوضح أن تطابق بعض العناوين أو الأسئلة بين النماذج التي يضعها والامتحانات الرسمية أمر طبيعي، وهو نتيجة متابعة تربوية دقيقة وتحليل مستمر لما طُرح في السنوات الثلاث الأخيرة.وفي لفتة لافتة، وجّه العبيد سؤالًا عميقًا وبسيطًا:”إذا لم أكن أنا موجودًا، فما البديل؟ ألا ترون أن هناك فراغًا كبيرًا يعانيه الطلاب؟”
وهو سؤال يستحق التوقف عنده، خصوصًا في ظل تراجع حضور الدولة في الشأن التربوي، وغياب الخطط التوجيهية المنظمة.من ناحية أخرى، نعرف جميعًا أن العبيد ليس مجرد مؤثر تربوي، بل هو أيضًا ناشط إنساني يحمل في داخله هموم الطلاب، خصوصًا حين يشت عن النقاش ويصمت ثم يطلق عبارات مؤثرة مثل: “أخ أخ، في طلاب ما معن حق دفاتر… والله شنط ما عندن”.كلمات لا تأتي من فراغ، بل من معاناة حقيقية يعيشها، باعتباره أخصائيًا نفسيًا يلتقي يوميًا بمشاكل الطلاب، ويعرف حجم الإهمال الذي يعانونه.
وفي إطار الحرص، طرحت الجهات الوسيطة اقتراحًا على الأستاذ العبيد يقضي بـ الامتناع عن أي منشورات خلال دوام الامتحانات من الساعة 6 مساءً حتى 1 ظهرًا في اليوم التالي، حرصًا على عدم تحميله أي مسؤولية أو اتهام، وتم ذلك بكل لباقة واحترام، دون فرض.لكن ما صدِم البعض فعلًا، هو أن العبيد ممنوع من دخول المدارس الرسمية، رغم أنه منتخب من أكثر من 11 ألف مواطن طرابلسي لرئاسة اللجنة التربوية في مجلس بلدية طرابلس، وله مشروع تربوي واضح يسعى لتطبيقه داخل المدارس. وقد عبّر العبيد عن شعوره بالغبن، مشيرًا إلى أن وزارة التربية تفتح المجال لآخرين، بينما يُمنع هو من أداء دوره القانوني والتنموي وإعتبر العبيد أن هذا القرار هو قرار ظالم جائر وغير قانوني وله خلفيات سياسية كونه لا ينتمي لأي حزب سياسي وأن انتماؤه فقط لحزب الطلاب وسلاحه قلمه الممول من فكره العلمي وعقيدته نشر العلم ومحاربة آفات الجهل.
وهنا، بات من الضروري أن نطرح الأسئلة الآتية:هل يجوز منع عضو في لجنة تربوية بلدية منتخب ديمقراطيًا من مساعدة طلاب منطقته، طالما أن عمله لا يتعدى الدور التربوي والداعم؟
أليس من حق كل شاب كفوء وملتزم أن يخدم طلاب مدينته داخل المدارس الرسمية؟
ألا يقتضي الإنصاف من وزارة التربية دراسة مشروع إبراهيم العبيد بجدية، وتوجيهه إن لزم، بدلًا من إقصائه دون مبرر واضح؟
نحن بدورنا سنرفع هذا الملف إلى فخامة رئيس الجمهورية ، رئيس الحكومة نواف سلام، ووزيرة التربية السيدة ريما كرامي، وندعو إلى:
1. فتح باب التواصل الرسمي مع الأستاذ عبيد، والاستماع إليه وإلى مشروعه.
2. وضع إطار تنظيمي واضح لمشاركة المجالس البلدية واللجان التربوية في دعم المدارس.
3. مراقبة أي مبادرة تربوية من قبل الوزارة، لا منعها سلفًا.
4. الإقرار بأن الدعم التربوي المجتمعي حاجة وطنية، لا تهمة أو مخالفة.
في النهاية، القضية ليست شخصًا أو صفحة، بل نموذج جديد من المبادرات الفردية التي تسعى لسدّ فراغات تركتها الدولة. والمطلوب منّا جميعًا، لا محاربتها، بل تأطيرها، ومرافقتها، وتوجيهها لما فيه مصلحة الطلاب والعدالة التربوية.
لذلك قررنا وضع هذه الدراسة القانونية أمام معالي وزيرة التربية :
“دور البلديات واللجان التربوية المنبثقة عنها في دعم التعليم الرسمي”.
هذا الدور، رغم ما يتمتع به من إمكانات قانونية وإدارية، ما يزال مهمشًا أو مغيّبًا في معظم القرى والبلدات، إما بسبب الجهل القانوني، أو غياب المبادرة، أو التسييس، أو ضعف الموارد والإرادة.
البلدية والتعليم: ما يقوله القانون
ينص المرسوم الاشتراعي رقم ١١٨/١٩٧٧ (قانون البلديات) في مواده ٤٩,٥٠,٥١ على دور المجلس البلدي في الشؤون التربوية :
المادة 49 : تتضمن صلاحيات المجلس في إعداد مشاريع محلية تشمل النشاطات التربية الداعمة للطلاب والصحة والتخطيط المحلي.
المادة 50: تجيز للمجلس البلدي تخصيص عقارات أو مبانٍ لخدمة المدرسة أو الأنشطة التعليمية.
المادة 51: تشترط موافقة المجلس في بعض الأمور العامة التي قد تشمل إنشاء مؤسسات تربوية خاصة أو رسمية وإقامة أنشطة تربوية .
إذاً دور المجلس البلدي يتلخص في النقاط التالية:
“إنشاء المدارس، والمساهمة في نفقات التعليم، وتقديم المساعدات للطلاب، والاهتمام بالشؤون التربوية والثقافية ضمن النطاق البلدي.”
بالتالي، البلدية ليست فقط سلطة محلية بل هي شريك قانوني في التنمية التربوية، يُفترض أن يكون لها مساهمة فعالة في دعم المدارس الرسمية.
ما هي اللجان التربوية البلدية؟
اللجنة التربوية هي لجنة منبثقة عن المجلس البلدي، تضم في العادة عضوًا منتخبًا يترأسها، وقد تشمل أيضًا ممثلين عن مديري المدارس الرسمية في النطاق، ومعلمين، وأهالٍ، أو ناشطين تربويين من المجتمع المحلي.
مهامها النموذجية تشمل:
التنسيق مع المدارس للتعرّف إلى حاجاتها المادية والبشرية.
دعم حملات توزيع القرطاسية والمساعدات.متابعة أعمال الصيانة أو تجهيز المباني.
رفع تقارير دورية إلى المجلس البلدي أو المنطقة التربوية.
تنظيم أنشطة تربوية وثقافية في البلدة أو المدرسة.
ورغم ذلك، أكثر من 80% من البلديات لا تفعّل هذه اللجان فعليًا، بل وتجهل أحيانًا وجود هذه الصلاحية أصلًا.
غياب أو تقصير؟ الأسباب كثيرة
الواقع يُظهر أن حضور اللجان التربوية يراوح بين الغياب التام والاستنسابية، ومن أبرز الأسباب:
-الجهل القانوني بدور البلدية في التربية.
ـانعدام التنسيق المنهجي مع وزارة التربية أو المناطق التربوية.
ـتسييس العمل البلدي وتحويل اللجان إلى أدوات انتخابية.
-ضعف الموارد أو سوء إدارتها في الشأن التربوي.
-غياب أي مساءلة أو تقييم رسمي لدور البلديات التربوي.
أين يمكن للبلديات أن تتدخل مباشرة؟
حتى ضمن الواقع الحالي، هناك مجالات حيوية تستطيع البلديات التدخل فيها فورًا:
1. صيانة المدارس الرسمية التي تفتقر إلى الحد الأدنى من البنية التحتية.
2. تأمين النقل المدرسي للطلاب في المناطق النائية بالتعاون مع جمعيات أو جهات مانحة.
3. تمويل برامج دعم نفسي وتربوي خاصة بعد الأزمات.
4. تنظيم حملات تشجيع على التسجيل في المدرسة الرسمية، لمواجهة الهجرة المتزايدة نحو التعليم الخاص أو التسرب.
5. توفير بعض اللوازم أو المعلّمين المؤقتين عند الضرورة ضمن آلية شفافة.
ماذا عن دخول اللجنة التربوية إلى المدارس؟
في هذا الإطار، يُثار سؤال متكرر: هل يحق لرئيس لجنة التربية في البلدية دخول المدارس الرسمية دون إذن من وزارة التربية؟
الجواب القانوني والعملي واضح:نعم، يحق له الدخول ، طالما أن الهدف ليس إداريًا أو رقابيًا، بل داعمًا أو خدميًا.لا حاجة إلى إذن مسبق من الوزارة إذا كانت الزيارة ذات طابع ميداني لتلبية حاجات، أو تقديم دعم، أو تقييم صيانة.
يُستحسن، مع ذلك، إبلاغ المنطقة التربوية لتوثيق التعاون وتفادي التأويلات السياسية أو الإدارية ولكن للعلم فقط وليس لأخذ الإذن.
الاستثناء الوحيد هو حين يكون الهدف إداريًا بحتًا، كالتفتيش أو اتخاذ قرارات داخل المدرسة، وهو ما يتطلب صلاحيات من الوزارة أو من المنطقة التربوية.
ما المطلوب اليوم؟ توصيات عاجلة
1. إصدار تعميم من وزارة الداخلية والبلديات لتذكير البلديات بصلاحياتها التربوية.
2. تشجيع كل بلدية على تشكيل لجنة تربوية نشطة من ذوي الاختصاص.
3. إشراك المجتمع المدني المحلي في رسم خطة دعم بلدية للتربية الرسمية.
4. إعداد دليل وطني موحّد لعمل اللجان التربوية، بالتعاون مع المركز التربوي للبحوث والإنماء.
5. تنظيم مؤتمر سنوي برعاية وزارة التربية لتقييم أداء البلديات في دعم المدارس الرسمية.
-في الختام إن بلدية لا تواكب شؤون المدرسة الرسمية في نطاقها، لا تقوم بدورها الكامل تجاه سكانها. التربية ليست فقط شأنًا مركزيًا، بل مسؤولية محلية ومجتمعية.
المدرسة الرسمية ليست يتيمة، لكنها تحتاج إلى شراكة صادقة من أقرب الحلفاء: البلديات وعلى وزارة التربية تسهيل الأمور ووضع شروطها وقيودها وجهاً لوجه وعالطاولة.



