أخبار تربوية

بين رمزية الزيارة وواقعية الإصلاح: الجامعة اللبنانية أمام استحقاق استكمال كيانها

زيارة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون إلى مبنى الإدارة المركزية للجامعة اللبنانية لم تكن مجرد بروتوكول رئاسي، بل شكلت رسالة واضحة بأن الجامعة الوطنية هي في صلب أولويات الدولة. حضور رئيس الجامعة الدكتور بسام بدران ووزيرة التربية والتعليم العالي الدكتورة ريما كرامي عكس حرصًا على أن يكون الحوار ثلاثيًا، جامعًا، ومسؤولًا. لكن، لا يمكن إغفال السياق السياسي والإداري الذي جاءت فيه هذه الزيارة، لا سيما مع احتدام الخلاف حول ملف التفرغ وتشكيل مجلس الجامعة.

لا انحياز… بل مسؤولية

رغم التأويلات التي ظهرت في بعض المقالات الصحافية، من الخطأ اختزال الزيارة بدعم طرف على حساب آخر. فالرئيس العماد جوزاف عون لا ينحاز في ملف الجامعة إلى شخص أو موقع، بل إلى الجامعة كمؤسسة وطنية منتجة يجب الحفاظ عليها ولا يستطيع أحد إلغاءها ورغم أنها إحتلت المرتبة الثانية في لبنان إلا أن الرئيس عون يعتبرها اي المرتبة الأولى وذلك لأنها مؤسسة تعاني من فراغ كياني وتشغيلي. وموقفه واضح: هذا التقدم يدل على حسن الإدارة، و تمنى لو ان مؤسسات وادارات رسمية أخرى تقتدي بها وتكون قادرة على الإنتاج”.

ولكن هنا لا بد من التشديد أن الجامعة اليوم تعاني من منافسة شديدة من الجامعات الخاصة وهي بحاجة إلى إستراتيجيات جديدة لمواكبة الإختصاصات العصرية و استكمال مؤسسات الجامعة هو الخطوة الأولى نحو أي إصلاح جدي لذلك فإن انتخاب العمداء وتشكيل مجلس الجامعة ليس تجاوزًا لأحد، بل ضرورة قانونية تعيد للجامعة هيبتها وتوازنها الداخلي وتمنحها القدرة على اتخاذ قرارات مصيرية ضمن آلياتها الشرعية.

التفرغ: بين الحق والحاجة وخطة إبن البلد لحل مشكلة ملف التفرغ:

ملف التفرغ لا يمكن معالجته بخفة أو عبر مناكفات إعلامية، بل يحتاج إلى قراءة مسؤولة تُوازن بين الحق المكتسب للأساتذة المتعاقدين والحاجة الفعلية للجامعة هذا الملف والذي هو نتيجة تراكم سنوات يواجه حقيقة قائمة على أن القواعد التي تم إنتهاجها في التفرغ تختلف عن الثوابت التي يتم الإنطلاق منها في التثبيت وأبرزها أن هذا الملف يتألف من شق سياسي ينطلق من التوازن الطائفي وشق تقني قائم على إحتياجات الجامعة وهذا مرتبط بأعداد الطلاب ورغم أن الجامعة اللبنانية تحتل المرتبة الأولى من خلال العدد لهذا العام وتضم ٤٥ ألف طالب إلا أن هذا العدد يعتبر عقبة كبيرة أمام ملف التفرغ وبمعدل ٢٠-٣٠ طالب تصبح الجامعة بحاجة إلى ١٧٠٠ -٢٥٠٠أستاذ ،ولذلك فإن الجامعة بحاجة إلى خطط إستقطاب للطلاب وسياسة دعائية وإعلامية ومؤتمرات علمية بالتعاون مع الثانويات الرسمية والخاصة وهذا ضروري جدا” للحفاظ على الأقسام الحالية وكذلك فإن بناء مجمعات جامعية في المحافظات كالنبطية و زحلة والشمال وفتح أقسام جديدة تواكب الإختصاصات العصرية هذا سيساعد على إستقطاب عدد كبير من الطلاب الذين يجدون مشكلة في تأمين السكن الجامعي في العاصمة ولكن يبقى هناك مشكلة أساسية تجعل الطالب يتجه نحو الجامعات الخاصة وهي النظام الحضوري لأن بعض الطلاب يفضلون نظام الإنتساب بسبب إنخراطهم في سوق العمل والشق الأخير هو شق إنساني حقوقي مطلبي بإمتياز وهو الحياة الكريمة للأستاذ المتعاقد والتي تشمل الطبابة والمنح المدرسية والمواصلات أو بمعنى آخر المساوات في الحقوق قدر المستطاع بين التعاقد والتثبيت .

وعليه فإن التوازن بين الحاجة للجامعة وعدد الطلاب وحقوق المتعاقد والتوازن الطائفي في التثبيت هو ما ينطلق منه أي حل نظري ولكن الواقع لا يعكس النظرية والأعراف ولذلك نطرح خطة لمقاربة الملف من النواحي التالية:

أولا” :حاجة الجامعة هي حاجة علمية وغير مرتبطة بالتوازن الطائفي ولا يمكن أن ينتظر الطلاب إكتمال النصاب الطائفي للحصول على إستاذ في مادة معينة ولذلك فإن عدم إكتمال النصاب من طائفة معينة يجب أن يوجد له حل وربما يكون الحل بالتعويض لهذه الطائفة في مؤسسة أخرى كالمدرسة الرسمية فيتم إستكمال نصاب هذه الطائفة بتثبيت أساتذة في الثانويات ،هذه فكرة أو طرح نحن نتبناه ولا يلزم أحد وعند حل حاجة الجامعة ننتقل إلى المرحلة الثانية .

ثانيا”: الملف يجب أن يوزان بين الحقوق ومن لم يشمله التثبيت يجب أن يحصل على حقوق تؤمن له حياة كريمة وتعوضه عن التثبيت .

ثالثا”: يجب وضع سلسلة رتب ورواتب خاصة بالجامعة توازن بين مختلف المسميات الوظيفية وتحفظ حق العامل و المدرب والأستاذ فالجامعة تعاني مثل كل المؤسسات إلى دعم مالي و مبادرات دولية للإسراع في إنشاء المباني البديلة عن المباني المستأجرة وعقد إتفاقات شراكة مع الشركات التي تعمل في مجال التكنولوجيا وتجهيز المختبرات وإنشاء شركات توفر لها مردود مالي يدعم ميزانيتها كوضع لوحات إعلانية أو شاشات إعلانية داخل الباحات و إنشاء مسارح ضخمة وإستقطاب العروض على مسارحها وكذلك ملاعب كرة سلة وكرة قدم وكل هذه الإيرادات تدخل في ميزانية تطوير الجامعة وتحولها إلى مؤسسة تعليمية ،إجتماعية،ثقافية،رياضية .

رابعا”: من المفروض ،ضمن مناهج الثانويات الرسمية والخاصة إدراج دليل الجامعة اللبنانية ويدرسه الطالب في صف الأول ثانوي والثاني ثانوي ليفهم أي إختصاص سيختار في الثالث ثانوي وعليه يكون قد فهم العالم الجامعي وأصبح لديه رابط بالتوجه للجامعة اللبنانية وهذا يعززه المؤتمرات التي تقيمها الجامعة لإستقبال الطلاب ميدانيا”.

وعليه، فإن المنطق الذي يُعمل عليه حاليًا هو أن يشمل التفريغ جميع المستحقين وفق دفعات متتالية تراعي:

  • التخصصات الأكاديمية المطلوبة.
  • سنوات الخبرة والأقدمية.
  • التوازن بين الكليات والمناطق.
  • الكفاءة العلمية والمهنية.

إن تحديد الدفعة الأولى من المتفرغين وفق هذه الأولويات ليس إقصاءً للآخرين، بل مرحلة أولى في مسارٍ إصلاحي متدرّج، يُفترض أن يتكامل لاحقًا ليشمل الجميع، فور توفر الدعم السياسي والمالي اللازم من الحكومة.

كيان الجامعة أولًا

استكمال انتخاب عمداء الكليات لا يجب النظر إليه كإجراء تقني، بل هو نقطة انطلاق لإعادة تكوين مجلس الجامعة، الجهة الشرعية الوحيدة القادرة على إقرار ملفات كبرى كالتفرغ، التفرغ الجزئي، التعيينات، والبرامج الأكاديمية. وهذه الخطوة تتطلب دعمًا سياسيًا لا تدخلاً، وضمانًا دستوريًا لا فرضًا.

إن رئيس الجمهورية حين يدعم هذه الخطوة، فهو لا يهدف إلى “كف يد” أحد، بل إلى تحرير الجامعة من حالة الشلل المؤسساتي، وتوفير بيئة قانونية سليمة لاتخاذ القرارات. وهذا يتقاطع مع مطلب رئيس الجامعة نفسه بتعزيز استقلالية القرار الأكاديمي ومع مبدأ الوزيرة كرامي التي تؤمن بضرورة تحويل المعلم إلى قائد قادر على إتخاذ القرارات الصائبة وتنفيذها وهذا هو المطلوب أن تعود الجامعة إلى قيادة نفسها وهذا سيكون إنجاز للوزيرة ريما كرامي لأن هذا المجلس سيحمل إسمها بالتداولات الإعلامية .

احترام التضحيات… والوقائع

الأساتذة المتعاقدون، الذين خدموا الجامعة في أقسى الظروف، بأجور متدنية وفي غياب أي ضمانات، يستحقون التفرغ والكرامة الوظيفية. لكن إنصافهم لا يكون بالشعارات أو الضغوط، بل بخطة واقعية تُراعي القدرة الحالية للجامعة والإدارة، وتضمن العدالة في الفرز والاختيار.

ولا بد من التأكيد أن هناك آليات قانونية واضحة يمكن الاستناد إليها لوضع معايير دقيقة تراعي الكفاءة، الأقدمية، والحاجة الفعلية، بعيدًا عن أي تدخل سياسي أو حسابات فئوية.

خاتمة: جامعة لكل لبنان

الجامعة اللبنانية ليست ميدان صراع سلطوي، بل منصة لإنتاج العدالة الاجتماعية ولبناء الدولة الحديثة. وكل مقاربة تُخرج الجامعة من هذا الدور هي مقاربة خاسرة.

السياسي الحقيقي هو ما يضمن استقلال الجامعة، وإعادة تكوين مجلسها هو بداية الطريق نحو إصلاح جذري، يضمن الإنصاف لكل الأساتذة، ويعيد للجامعة دورها الوطني والمجتمعي والوزيرة كرامي تتدخل لأن القانون فرض عليها التدخل في ظل الفراغ الموجود أما عودة الجامعة إلى قيادة نفسها هو من أكبر الإنجازات التي تطمح إليه.

وكما قال رئيس الجمهورية: “الاستثمار في العقول هو أعظم استثمار… ولن تُبنى الدولة إلا بمؤسسات قوية تبدأ من التعليم.”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى