أخبار تربوية

تحت الردم، فوق الألم، طلاب الجنوب سيروون لريما كرامي حكاية الصمود

النبطية، المدينة التي لطالما ارتدت ثوب الصمود، لا تزال رغم الجراح تنبض بالحياة. اليوم، تستقبل وزيرة التربية ريما كرامي في قلبها الجريح، لا لتريها دمار البيوت وحده، بل لتقدّم لها مشهدًا حيًّا عن ملحمة تربوية وإنسانية قلّ نظيرها: طلاب على مقاعد الصمود، في صفوف بلا نوافذ، يدرسون وسط أصوات الغارات، ويحلمون بأوطان تُجيد التكنولوجيا كما تُجيد المقاومة.

هنا، في الجنوب الذي يُقصف ويُعلّم، في المدن التي يُهدم فيها الحجر ولا يُهزم البشر، يجلس طلاب النبطية كرفاقهم في صور وبنت جبيل والناقورة والطيبة وعيناتا، خلف المقاعد المتبقية، بكرامة لا تنكسر، وبإصرار لا يُقهر.

هؤلاء ليسوا مجرّد طلاب إنهم جيل يقاتل بالقلم كما قاتل آباؤه بالسلاح. يقاوم بالعلم لأنّ التكنولوجيا صارت سلاح العدو، وهم مصمّمون أن يتفوّقوا عليه بالغد القريب.

سيحدّث الطلاب الوزيرة من داخل صفوفهم، ومن خلف مقاعدهم وكرامتهم مرفوعة، عن قصفٍ لم ينته، وعن ليل بلا كهرباء، عن بيوت تهدّمت، ورفاق ودّعوهم بالدموع والورود، ثم عادوا إلى دفاترهم، لا ليهربوا من الحزن، بل ليحوّلوه إلى طاقة حياة.سيحدّثونها عن أساتذتهم الذين استشهدوا، عن قاعات صفّ تحوّلت إلى ملاجئ، ثم عادت قاعات علم. سيقولون لها إنهم لا يطلبون إعفاءً، ولا شفقة، بل عدالة تربوية تحترم واقعهم وتراعي ظروفهم:

مواد اختيارية؟ أسئلةإختيارية؟ تقليص مدروس؟

لا للتهرب من الامتحان، بل احترامًا للواقع.

في هذا اللقاء، لن يكون هناك كباش. لا تحدٍ بين الوزارة والطلاب، بل شراكة وطنية في زمن الانهيارات النقاش علمي، والحوار هادئ و نابض بروح الجنوب.

ستندهش الوزيرة من درجة الوعي لدى هؤلاء الفتيان والفتيات، ومن إرادتهم الصلبة، رغم أن بيوتهم بلا نوافذ، ومدارسهم بلا ألواح.

في تموز المقبل، ومهما كان قرار الوزارة النهائي، لن يدخل هؤلاء الشباب فقط إلى قاعات الامتحانات، بل إلى معركة إثبات الذات.

سيحملون أقلامهم كما تُحمل البنادق، وسيرفعون رؤوسهم كما تُرفع الرايات فوق تراب الوطن.وعندما يحصلون على شهاداتهم، سيقفون على أضرحة أساتذتهم ورفاقهم، ويقولون: “عاهدنا وفينا، دماؤكم لم تذهب سدى.”

في الجنوب، تُكتب اليوم معادلة جديدة: أن تتفوّق على عدوّك بالتكنولوجيا لا يعني أن تتخلّى عن وجدانك. أن تبني المستقبل لا يعني أن تنسى من استُشهد لأجله.هذا هو الجنوب، الذي يعلّم أبناءه أن الكرامة ليست شعارًا بل منهج حياة، وأن الامتحان الأكبر ليس في الورقة الرسمية، بل في إرادة الحياة.

النبطية اليوم لا تنتظر قرارات وزارية بقدر ما تنتظر أن تُحفظ كرامة أبنائها. وأن يُسجّل في تاريخ التربية في لبنان أن جيلًا تربّى بين الركام، فزرع علمًا في الردم، وعلّم العالم كيف يكون مكسورا”… فينتصر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى